كأنما كبرتُ خارج الزمن!!

مثله مثل كثير من السياسيين.. يأتون من الفراغ.. ويذهبون إليه!!
لم يكن وهو في قلب المدينة، يدري أن عينيه تقلبان تراب أزمنة الخمول البائسة، وأن شفتيه قد أطبقتا على ذهوله وذبلتا كزهرتين عطشاوين، وزمهرير الشتاء يعصف، تحسس وجهه الذي تشقق بفعل الرياح الجافة الباردة، وتقرحت أرجله ويداه العجفاوان، دمه المذعور يفر من شرايينه، عند تلك الساعة تذكر أن له أهلات وبيتاً وذكريات!!

لا يعلم ابن كم هو من السنوات، عندما هرب في مساء كثيف الخوف والحذر والظلمة، من ديار بعيدة.. بعيدة.. غائرة في جوف النسيان.. لا يتذكر ملامحها جيداً.. ولا الوجوه التي فارقها سوى وجه أمه وهي تحلب ناقة عجفاء حلب الدهر أشطرها، وجفت ضروعها وبح صوتها وضاع.. كانت أمه فقط تفعل ذلك كي يطمئن أطفالها إلى أن هناك حليباً سيسكب على قصعاتهم الصغيرة، وكانت الأم مثل الناقة أيضاً بلا ضروع ولا أمل مطفأة السراج!!
«ب»
تذكر في تلك اللحظة وهو يقلب تراب الأزمنة الشاحبة، كيف تاه في الفلاة الواسعة بين الوديان والغابات والسفوح والدروب الصخرية الوعرة، أياماً بلياليها، حتى وصل المدينة، ثم طوى الزمن وراءه صفحة الأهل والأحباب والديار.. وصار مثل كل باب خشبي ومقعد وعصا مقطوع من شجرة لا ينتمي لمكان.. سوى نفسه والمدينة القاسية التي تختزن في جوفها أبشع الأنياب وأحدها.
كان غض الإهاب والسنوات، لم يتجاوز الثامنة أو السابعة من العمر، تلقفته المدينة مشرداً صغيراً مستحقراً كدويبة لا ترى بالعين المجردة يمشي على جلد المدينة والحياة.
كان طعامه بقايا طاولات المطاعم الوضيعة التي تكب كالنفايات الملوثة، وشرابه من أزيار أي سبيل يصادفه في الطرقات، تتمزق أسماله البالية على جسده النحيل حتى يرق له قلب محسن فيكسوه، لا حذاء له.. فقد عرفت قدمه وأصابعه الصخور الناتئة والأشواك وشظايا الزجاج والجمر الحارق وماء البالوعات والقاذورات والطين.. لا يعرف اغتسالاً وحماماً إلا في وادي برلي الذي يقسم مدينة نيالا إلى قسمين أو البرك التي تمتلئ في الخريف!!
عاش الليالي المرة بكل قسوتها بعيداً عن حضن أمه ودفء البيت والأسرة والأهل، متقلباً في الليل ومرتعداً في فرندات المتاجر في السوق الكبير أو تحت حوائط المباني والمرافق العامة وبين الحواجز الحديدية أمام أبواب سينما كامل دلالة، ظل بلا عنوان.. بيته الأرض والتراب وسقفه السماء والظلام والسحاب المطير في الخريف وبرد الشتاء.. لا صوت يطرق أذنه إلا نباح الكلاب الهائجة في السوق الكبير ليلاً تبحث عن رميم عظام!! ولا شيء يؤانسه سوى أترابه أو القمر البعيد والنجيمات اللائي يتلامعن في سود الليالي!!
ربما يكون قريباً من تلك الصورة التي رسمها صلاح عبد الصبور:
كان يريد أن يرى النظام في الفوضى
وأن يرى الجمال في النظام
وكان نادرَ الكلام
كأنه يبصر بين كل لفظتين
أكذوبة ميّتة يخاف أن يبعثها كلامُهُ
ناشرة الفودين مرخاة الزمام
وكان في المساء يطيل صحبةَ النجوم
ليبصر الخيط الذي يلمُّها
مختبئاً خلف الغيوم
ثم ينادي اللهَ قبل أن ينام
الله هب لي المقلة التي ترى
خلف تشَتُّتِ الشكول والصور
تغيُّر الألوان والظلال
خلف اشتباه الوهم والمجاز والخيال
وخلف ما تسدله الشمس على الدنيا
وما ينسجه القمر
حقائقَ الأشياء والأحوال
«ت»
لم تكن له أفئدة تحتويه، حتى تلك الأسرة الرحيمة التي التقطته ذات يوم وقضى معها بضعة أسابيع وتم ختانه مع أنجالها، غادرت المدينة تلك العائلة الكريمة عندما نقل ربها إلى شرق السودان موظفاً في البوستة!!
لا أحد تبقى له، لم يجد سوى قساوة وشظف العيش وبقايا ذكريات باهتة مضاعة الملامح عن أسرته التي تركها في مكان قصي بغرب دارفور عند مسيل ماء موسمي أهوج الموج ناعم الرمل كثير شقشقة العصافير.
غائرة عيناه في حجريهما، يأتلق فيهما بريق غريب، بأنه مصمم على الحياة، سار في درب طويل طويل.. تفتقت فيه عبقريته الباذخة التي حولته من يافع متشرد متسكع في وسط المدينة، إلى عامل منتج مع الأيام، خلال طفولته لم يطارد رشحات البنزين على خرقات بالية يتشممها ويستنشق سمها مع كل أقرانه من شماسة المدينة.. لم يدخن ولم يتعاط محروماً.. فقد حفظته عناية إلهية من السقوط في مستنقع الحرام، لم يتعلم النشل وصغار الجرائر والجرائم، يبدو أن جوهرة نقية كانت تتلألأ في قلبه وروحه عصمته من الانزلاق والعيش في ظلام الحياة.
كان كمن يغني للحياة مع رفيق حميم:
وحين يأفلُ الزمانُ يا حبيبتي
يدركُنا الأفولْ
وينطفئ غرامُنا الطويل بانطفائنا
يبعثنا الإلهُ في مسارب الجِنان دُرّتينْ
بين حصىً كثيرْ
وقد يرانا مَلَكٌ إذ يعبر السبيلْ
فينحني، حين نشدّ عينَهُ إلى صفائنا
يلقطنا، يمسحنا في ريشه، يعجبُه بريقُنا
يرشقنا في المفرق الطهورْ
لو أننا كنّا جناحيْ نورسٍ رقيقْ
وناعمٍ، لا يبرحُ المضيقْ
مُحلّقٍ على ذؤابات السُّفنْ
يبشّر الملاحَ بالوصولْ
ويوقظ الحنينَ للأحباب والوطنْ
منقاره يقتاتُ بالنسيمْ
ويرتوي من عَرَقِ الغيومْ
وحينما يُجنّ ليلُ البحرِ يطوينا معاً.. معا
ثم ينام فوق قِلْعِ مركبٍ قديمْ
يؤانس البحّارةَ الذين أُرهقوا بغربة الديارْ
ويؤنسون خوفَهُ وحيرتهْ
بالشدوِ والأشعارْ
والنفخ في المزمارْ
لو أننا
لو أننا
لو.. لو
«ث»
حكى ذات مرة.. وبعد أن مضى قطار العمر وشب وغدا فتياً، أنه عاش بلا مواجد ولا شجن، تتداخل الصور والمشاهد لديه، بضع صور قليلة تجمدت في ذاكرته عن الأسرة والعائلة وحنان الأم والأب.. لكنه عرف طعم الحياة وهو طاوي البطن جائع في لجة الصقيع والبرد، ومريض في حر الصيف ولهب الظهيرة، لكنه رأى قبساً في أعماق روحه يناديه.. لا يعرف من أين أتاه هذا الطارق بقوة على ثنايا قلبه، فأعطاه أغلى ما في الحياة أن يمشي مرفوع الرأس كمحارب شريف، وتظل يده نظيفة لا تتسافل ولا تسرق ولا تشحذ ولا تتوسل، وقلباً يعرف معنى أن يعيش ويفتخر!!
يقول وهو يروي الصدق منتشياً، كانت الحياة تبدو كمسنة الحداد.. تشحذ نصلك وتقويك إن أنت جالدتها ووقفت في وجهها وفي وجه الردى وهو نائم..
ما تعلمته في الشارع بنزقه وجنونه وفنونه وشدة حلكته، يفوق آلاف المرات ما سمعته من أفواه البشر وما يقال أنه موجود في بطون الكتب التي لم أطلع عليها.
رأيت الناس يكذبون على أنفسهم قبل أن يكذبوا على بعضهم البعض.. رأيتهم يسرقون حتى دفقات الصدق من أغوار قلوبهم قبل أن يسرقوا من جيوبهم!! وعرفت الناس ينافقون وينفقون من جراب الثقة والمروءة ما يجعلهم فقراء يتسولون المودة والرحمة والحب!!
وجدت الدنيا نظيفة.. نقية.. لامعة.. لكن الناس يلوثونها ويمجسونها.. بلا سبب وطائل غير الطمع والبهتان والسراب.
وكان.. حيث يحكي ويقول:
يتعمَّمُ بالختم الطينيِّ اللمَّاع على عينيه الطيبتين
ينقش فوق نداوته المحبورة
صورةَ كون فياض بالضحكات
«ج»
قابلته وقد صار رجلاً بعد أن مضى قطار السنوات، حسبته مازال كما هو الفتى النقي الحيي الذي علمه الشارع وأدبه القدر.. لكنه تلفع بوشاح السياسة ولبس لبوسها، بعد أن كان قد مضى ونبغ في مهنته البسيطة.. وتزوج.. لكنه ذات غفلة وجد قافلة السياسة تلم كل شعث، فسار معها.. ولم تمض أيام حتى تدرج وتدحرج في عرصات العمل السياسي الذي هو دائماً بلا معيار ولا ضابط ولا مواصفة ولا مقياس.
قال: وجدت نفسي في طريق فتهت فيه، مثلما تهت في طفولتي في وسط المدينة وشوارعها وظلمتها وبردها.
حياة التشرد هي ذاتها حياة السياسة.. لا فرق بينهما، كل شيء للصدفة وكل نجاح انتهاز فرص.. القوي هو من يفوز والخاسر من ظن الأشياء هي الأشياء..
ويضيف ساخراً: في السياسة لا يعرف من أين أتيت.. ولا إلى أين ستمضي.. قواعد اللعبة ألا تكون هناك قواعد على الإطلاق!! وحدود المضمار بلا نهايات ولا حواف ولا رقيب.
يشمون نتانات الخطايا ويهيمون بها كما كان مشردو المدينة يشمون البنزين ويغصون في خيالاتهم السكرى!!
يأكلون من مكب نفايات الوهم والتضليل، مثلما كنا صغاراً نأكل من نثار طاولات المطاعم البائسة من مكبها الذبابي القذر!!
يأكلون لحم بعضهم.. مثل الشارع الذي يجعلك لا ترى إلا نفسك ولا تنجي إلا بدنك.
وقال مختتماً قولاً طويلاً.. وسحابة ماطرة تقدمت غيوماً سوداء داكنة فوق سماء مدينة نيالا:
«أهل السياسة هذه الأيام كلهم مشردون مثلي.. جاءوا من الفراغ كما نحن وسيذهبون إليه».

الصادق الرزيقي
صحيفة الإنتباهة

Exit mobile version