كيف يحتفلون بمناسبات الزواج والولادة .. المشردون … عالم غامض (1)

ثلاثة أيام داخل دهاليز المشردين
المشردون … عالم غامض (1)

هذه (…) حكاية الطفل حنين
سائق مركبة عامة يتبنى طفلاً مشرداً ومعاقاً ذهنياً وحركياً
لماذا حاول شاب أن يلقيه أمام سيارة مسرعة لتدهسه؟

كيف يحتفل المشردون بمناسبات الزواج والولادة
سائقو مركبات عامة يكونون جمعية لمساعدة المشردين

 

مشهد مروع وحزين عندما شاهد المارة شاباً طويل القامة ـ مشرداً ـ يحمل طفلاً لم يتجاوز عمره العامين بموقف الشهداء بأمدرمان.. وفي لمحة بصر دفع الشاب الطفل من بين يده في شارع الأسفلت قاصداً أن تدهسه مركبة تسير بسرعة حتى يجني من وراء فعلته مالاً بعد مطالبته بالتعويض بيد أن العناية الإلهية كانت حاضرة ونجا الطفل من موت محقق ـ الطفل الذي يدعى (حنين) من أبوين مشردين في شوارع حي الشهداء ـ أمه ربما كانت شهود عيان على ما فعله الشاب لكنها لم تحرك ساكناً.. فعامل المخدر كان أقوى من أن يتحرك حنين الأم تجاه (حنين) .. المشهد المروع أثار فضولنا وقررنا خوض مغامرة صحفية مثيرة لسبر أغوار عالم (حنين) ومن يعيشون معه في أزقة الحي العريق .

 

طفل بالتبني
في اليوم الثاني من الحادثة وعند ذات المكان وجدنا (حنين) المعاق يجلس على (مصطبة) الموقف يلتهم حبيبات (العدسية) المتناثرة على الأرض، أحد السائقين أبلغنا أن حنين أصبح معروفاً لدى الناس في الموقف، بعد تبنيه من قبل الزملاء العاملين هنا، متبني حنين رجل (ملتحٍ) يدعى “ص ، م ، أ ” يشرف على موقف الثورات بالشهداء، حدثنا بأن المشردين متواجدون معنا يومياً، أجالسهم كثيراً وأحب مؤانستهم هم أوفياء ومخلصين في صداقتهم، ظرفهم فقط هو الذي فرض عليهم حياة التشرد هذه، وأضاف قائلاً نقدم لهم المساعدات (الأكل والملابس) وهذا عمل لله لايمكن التحدث به ولكن لأجل مصلحة المشرد! وأضاف صلاح هناك مشردون درسوا ب(كامبوني) جوار الموقف وكنا نساعدهم في دفع الرسوم ونذهب نتحدث مع الأساتذة إلا أنهم يتركون الدراسة على نحو مفاجيء، وواصل الجندي المجهول “صلاح” التحدث لنا عن قصة حنين وقال: حنين كان مشلولاً في جهته اليسرى منذ الصغر ربما بسبب عدم تلقيه جرعة التحصين من الشلل والتاتنوس، أمه رجاء لديها بنتين بدأنا معه تمارين في المشي وتحسنت حالته وأصبح يلعب ويجري ويتحرك، والآن حنين يحتاج لعمل بسيط تكفلنا برعايته ولدينا قروب يتكون من 5 من السواقين أصحاب خير لدعم هؤلاء المشردين، وهذا عمل خفي أجره على الله! ولم ينكر صلاح أن سلوكهم يشكل خطورة لكنه برر ذلك بظروف تنشئتهم بأنهم ولدوا حتى كبروا على ذلك.

 

عالم حنين
عالم (حنين) ورفاقه عالم معقد للغاية ومحفوف بالمخاطر بيد أن التكليف بالمهمة كان يستوجب المخاطرة والدخول إلى عالم مجهول داخل أزقة أمدرمان وسط المدينة ، هم مشردون نعم لكنهم متعايشون ومتصالحون مع واقعهم يتعامل الناس معهم بتعالٍ بيد أنهم يكتمون غيظهم بمادة (السلسيون) تلك المادة المخدرة والشهيرة والأكثر انتشاراً في عالم التشرد.. بدأت بعض الحقائق تتكشف أمامنا منذ محاولاتنا الدخول إلى دهاليز العالم السري، لعبة الميسر (القمار) هي اللعبة المفضلة ثم شم “السلسيون” و”الجماع” في أوقات محددة يتناسلون ويتوالدون هكذا مثل الأنعام لا شيء يمنعهم من هذه الممارسة وارتكاب الخطيئة، فلا وازع ديني ولا أخلاقي في عالم التشرد، رغم أنهم يقضون جل ساعات يومهم قريباً من أضرحة شهداء كرري التي أصبحت مزاراً ومكاناًً للبركة وممارسة بعض الطقوس مثل ضريح الشيخ محمد ود مضوي والشهيد مكي أمين كبرو هذه الأماكن كما علمنا لاحقاً أنها شهدت أول صرخة لميلاد كثير من المشردين.

 

لعنة (الليدو)
على رصيف الموقف تحت ظل البنايات العالية وأشجار المدخل الغربي، يمارس المشردون من الجنسين لعبة الميسر(القمار) كتسلية ووسيلة لكسب المال السريع رغم أن مكان ممارسة اللعبة هو شارع رئيسي لطلاب الجامعات القريبة من المكان لعبة (الليدو) لها طقوس خاصة في عالم المشردين (يجتمعون في شكل دائرة أو نصف دائرة في غالب الأحيان يتبادلون اللعبة عبر سقوط حجر النرد أرضاً لكسب الجنيهات اعتماداً على التوقعات هي لعبة أشبه ب(إحصاء الاحتمالات) أو هي كذلك بالضبط دون الدخول في العمليات الحسابية المعقدة حيث تكون العملة من فئة العشرة والعشرين جنيهاً حاضرة، وفي بعض الحالات تتم مواصلة اللعبة بسماعات الهواتف والنظارات أي كذلك يتم الرهان بعد نفاد النقود.

 

احتفالاتهم
لم نكن نتوقع ونحن نتأهب لخوض المغامرة المثيرة أن نشاهد طقوساً لزواج غريب وبعيد عن تعاليم الأديان السماوية.. زواج أقرب للأسطورة في عالم ما قبل الفلاسفة، احتفالهم بالزواج بلا مأذون شرعي يقيمون الولائم بعد أن يجمعون المال عبر التسول، عملية التسول نفسها مثيرة، تسولهم غير تسول (الشحادين) يتحدثون مع المارة بلغة (الراندوك) بعض المارة اعتاد على لغتهم يداعبونهم بها سيما أصحاب المحلات وسائقو المركبات العامة، هؤلاء في الغالب يشكل بعضهم (المعازيم) فيما يدخل آخرون منهم في حالة شجار يومي ـ كما سنرى في ثنايا هذا التحقيق ـ يقيمون الحفلات البهيجة بفنانين من وسطهم أصواتهم جميلة حد الدهشة يحفظون أغاني كبار الفنانين يتراقصون بطريقة أقرب إلى رقصة العجكو الشهيرة.. ومثلما يحتفلون بالزواج يقيمون حفلات مماثلة عند قدوم مولود جديد ثم عند (السماية) يطلقون عليه اسماً أقرب إلى اللقب منه إلى الاسم .

 

ممارسات سالبة؟
الأمر الأكثر خطورة وإثارة في ذات الوقت أنهم يشكلون خطراً عندما يغيب وعيهم بسبب تعاطي المادة المخدرة أو حسبما ذكر أحدهم، في الغالب يتحول المتشرد إلى شخص شرير عندما يحس بالخطر أو يشعر بالجوع. وكذلك أكد تلك المشاهد سائق مركبة عامة يدعى بشير أحمد بخط (الثورات- الشهداء) وقال إن أحدهم وقف ذات مرة في منتصف الطريق واعترض مسار المركبات بما فيهم مركبته قبل أن يتطوع أحد الركاب وأبعده بيد أنه وفي ثوانٍ تجمع المشردون وهشموا زجاج مركبته بعد أن رموها بالحجارة وأصيب شاب في رأسه وفتاة في كتفها .الخبير الاجتماعي الدكتور فيصل شطة في تعليقه على الحادثة يرى أن المخاطر تكون على المشرد أولاً، حيث تمارس عليهم كل أشكال الجريمة، أما الخطورة على أفراد المجتمع تبدأ بالأفراد مبيناً أن الأطفال دائماً يعتقدون أن سلوك المشرد هو حياة وحرية أكثر منهم؛ لذلك يتسيب ويتشرد الأطفال من المدارس، وأوضح شطة بهذا الاحساس يقرر الطفل التآمر، وقال أما بالنسبة للمراهقين فحياة المشرد تستهويهم، وتجعلهم يفعلوا مايشاؤوا، وأضاف خطرهم على المجتمع أنهم مهدد حقيقي ولايوجد أمن اجتماعي، لذلك الناس تشعر بالخطر من عصابات (النيقرز) وهم من أفراد المشردين من غير مأوى ولا رقيب، وذلك يؤدي إلى عدم الاحساس بالأمان. نواصل

 

 

 

أمدرمان: محمد عوض- إسماعيل الباهي
صحيفة الجريدة

Exit mobile version