اعتاد أيمن الذهاب إلى أحد مقاهي الانترنت نهار كل يوم عقب نهاية اليوم الدراسي وحينما تسأله والدته عن سبب تأخيره يخبرها بأنه ذهب مع أحد الاصدقاء إلى مراجعة دروس اليوم، ظل أيمن على هذا المنوال طوال فترة الدراسة إلى أن جاء اليوم الذي تمَّ فيه اكتشاف كذبه حينما دلف صديق والده إلى أحد مقاهي الانترنت قاصداً طباعة ورق ووجد أيمن منهمكاً في تصفح أحد المواقع برفقة صديقه ولم يتوانَ في إخطار أسرته التي فرضت عليه رقابه صارمة.
جولة تفتيشية
حالة أيمن لم تكن هي الوحيدة بل تمثِّل نموذجاً لعدد كبير من الطلاب الذين يقصدون مقاهي الانترنت عقب اليوم الدراسي في غفلة من الأسر التي باتت مقاهي الانترنت خطراً يهدد مستقبل أبنائها إذ انتشرت بشكل واسع حيث يتخذ بعض أصحابها أسلوباً جديداً في استقطاب الزبائن، فبدلاً من أن تكون لتصفح الإنترنت ومتابعة البريد الإلكتروني أصبحت أشبه بالأندية الليلية من حيث الديكورات المستخدمة فيها والإضاءات الخافتة، واستقبال الزبائن لساعات متأخرة ليلاً.
جولة مُطوَّلة قُمنا بها شملت العديد من مقاهي الانترنت، وذلك بعد أن نفذت الإدارة العامة للمصنفات الأدبية والفنية بالتنسيق مع الهيئة القومية للاتصالات خلال الأيام الماضية حملة رقابية تفتشية واسعة بإشراف الأجهزة الأمنية والشرطية اشترك فيها عدد كبير من الأفراد من جميع الجهات المختصة استهدفت مواقع الانترنت والمقاهي بمحليات الخرطو. بدا أصحاب المقاهي متحفظين عن الحديث حول كيفية إدارتهم لتلك المقاهي، وماهي الضوابط المفروضة على الزبائن في الوقت الذي تحدث فيه البعض دون خوف لثقتهم في طبيعه عملهم.
ضوابط مُشدَّدة
بشارع محمد نجيب بالخرطوم يقبع مقهي إفريقيا للانترنت وحسب حديث الموظف المسؤول عن المقهي وليد حسن أن المقهي ومنذ أكثر من 15 عاماً ظل محافظاً على سيرته النقية بين المقاهي وجاء ذلك بسبب الضوابط التي وضعها المقهى لزواره لافتاً إلى رفضهم بشكل قاطع تصفح المواقع الإباحية نهائياً وأن الموظفين يظلوا في حالة ذهاب وإياب أمام شاشات الحاسوب تحسباً لأي تصرف من قبل الزبائن، مشيراً إلى أن الأجهزة متاحة للطلاب من أجل البحوث العلمية كذلك للموظفين. وأكد رفضهم لدخول الطلاب أثناء اليوم الدراسي وحتى عقب نهاية اليوم الدراسي للمقهي خوفاً من الوقوع في المشكلات مع الأسر. وعن أسعار المقهي قال إن الساعة بثمانية جنيهات فقط.
الارتباك سيد الموقف
مقهي آخر تسلَّلتُ إليه باعتباري طالبة عِلم جلست في أول مقعد أمامي وللحقيقة؛ فشكل المقهى يدعو للشك حيث تشعر أنك في مكان معزول عن العالم بدليل أن الغرف الداخلية تكاد تنعدم بها الرؤية عدا الضوء المنبعث من الأجهزة ووضعت لائحه الأسعار مختلفة فلكل غرفة أسعار خاصة، هنا قفزت العديد من الأسئلة إلى ذهني وكان من السهل معرفة الأسباب. فالغرف الخارجية من الواضح أنها خصصت للأطفال الذين انهمكوا في الألعاب وتبادل المقاعد وصرخات تأتي من هنا وهناك غير مبالين بما يدور حولهم. أما الغرف الداخلية فكان معظم زوارها من الشباب. طلبت من صاحب المقهي دخول تلك الغرفة بحجة الإزعاج الذي يوجد في الغرف الخارجية وأنا في حاجة مسيسة للهدوء، لكن المُشرف على المحل اعتذر لي بلطف مصحوب بشيءٍ من القلق، حاولت معرفة السبب لكن الرجل فشل في إقناعي وكان ارتباكه الواضح يُشير إلى أن هناك شيئاً ما، غادرتُ المكان وفي الخاطر ألف سؤال.
(سي دي) مدفوعة القيمة
العديد من تلك المقاهي تضج بالفوضى وعدم التقيد بضوابط أساليب المحافظة على النظام وأغلبها ظل يوفر لزبائنه (سي دي) عليه أفلام فاضحة تتم مشاهدتها مقابل مبلغ مادي يتم الاتفاق عليه مسبقاً دون رقيب يعمل على محاسبتهم، تلك المقاهي تسمح بالدخول لكل المواقع غير المسموح بها مقابل أن يدفع الزبون المبلغ المطلوب.
من جهته رفض أكرم صاحب مقهي أم الكرام بأم درمان الاتهامات التي توجه لهم من قبل البعض نافياً عن نفسه تهمة تسخير المقهي للشباب من أجل مشاهدة المواقع غير المسموح بها قائلا في الوقت الذي لا أستطيع فيه مراقبة كل الزبائن لكن على ثقة أن رواد المقهى من الطبقة المستنيرة المتعلمة التي لا تجرؤ على تلك الأفعال مؤكداً أنه حريص على عمل كشف دوري للأجهزة ومعرفة كل ما يخزن بداخلها مع حذف ما يخدش الحياء إن وجد.
مقهى (الستارة الزرقاء)!!
مقهى (….) بأم درمان يعتبر من أشهر المقاهي التي تشتهر بتقديم الممنوع، فمن المدخل تحس بأن هناك شيئاً مريباً فمدخل المقهى وضعت عليه ستارة باللون الأزرق تحايلوا بها على حجب الشمس التي تضر بالأجهزة لكن في حقيقة الأمر غير ذلك حاولت أتجاذب أطراف الحديث مع أحد زبائن المحل عن طبيعه الحركة داخل المحل والزبائن الذين يأتون ويمكثون أوقاتاً طويلة خلف الأجهزة، صمت الرجُل قليلاً ثم أجاب متحفظاً ( أحضر برفقة أصدقائي من أجل اللعب أو مشاهدة الأفلام الأجنبية وغيرها ولنا مكان مخصص لا يسمح لنا بالجلوس في كل الأجهزة أو دخول تلك الغرفة ـ مشيراً بيده ـ إنها مخصصة لكبار السن بحجة أنهم أصحاب أبحاث لا يميلون للضوضاء والصوت العالي) هنا تأكدت أن هذا المقهى لا يبعد حالاً عن سابقه الذي خصص لأجل فتح المواقع غير المسموح بها أيضاً وما أكد حديثي أن الساعة بغرفة الألعاب 10 ج بينما تصل الساعة داخل الغرفة الأخرى ما بين 20 إلى 25 ج.
نصائح من خبير تربوي
من ناحيته أبدى الخبير التربوي عوض مبارك الخليل، عميق أسفه من سماح أصحاب المواقع لصغار السن ارتياد هذه الأماكن في غياب أولياء أمورهم وإتاحة الفرص لهم بتصفح المواقع التي تحمل بداخلها أفعالاً منافية للأخلاق منبهاً الأسر بضرورة متابعة سلوكيات الأبناء ومطالباً الجهات المختصة بحملات تفتشية ومصادرة الأجهزة حال أن ثبت تورط أصحاب المقاهي التي قال عنها إنها انتشرت بصورة تدعو للوقوف السريع ومعرفة من وراء تلك المواقع وأسباب ارتياد زبائن مخصصين.. هل للبحث والفائدة أم هناك من يبحث عن قضاء وقت فراغه في مشاهدة المواقع الإباحية وغيرها.
حملة تفتيشية وأسئلة منطقية
بقي أن نقول؛ صحيح إن الإدارة العامة للمصنفات قامت بحملة تفتيشية استهدفت 115 موقعاً، لكن الصحيح أيضاً أن هذه المقاهي يفوق عددها بمرات تلكم التي تم تفتيشها، لكن تبقى ثمَّة أسئلة تحتاج لإجابات عاجلة وهي: كم يا ترى عدد المقاهي التي لم يتم تفتيشها؟ وماذا يجري بداخلها؟ وهل تتكرَّر مثل هذه الحملات التفتيشية بشكل مستمر ومفاجئ حتى يتم (تطهير) التي تخالف القوانين واللوائح وتجعل (شهوة) البعض من الكبار والصغار، نهماً لتلكم الأفلام؟؟!!
الجدير بالإشارة أن الحملة المذكورة آنفاً شملت مقاهي في كل من أسواق كرور بمحلية أم بدة وسوق الصحافة والسوق المركزي والخرطوم جنوب وأسفر ذلك عن ضبط 44 موقعاً إباحي، وأدانت المحكمة المختصة 4 متهمين من أصحاب المحلات لمخالفتهم أحكام الماده 153 من القانون الجنائي المتعلق بالمواد والعروض الفاحشة والمخلة بالآداب وفي حديث سابق أكد مدير الإدارة العامة للمصنفات الأدبية والفنية بوزارة الثقافة والإعلام والسياحة والآثار عباس محمد سالم أن الحملات الرقابية والتفتيشية التي تنظمها إدارته بالشراكة مع الهيئة القومية للاتصالات تهدف إلى تحقيق الأمن الثقافي ودعا إلى ضرورة تكامل الأدوار مع شرطة أمن المجتمع ووزارة التربية والتعليم وجهاز الأمن والمخابرات. وأوضح أن نتائج الحملة التي تهدف إلى معالجة سلبيات استخدام مواقع الانترنت وحماية المواطن من الغزو الثقافي.
الخرطوم: تفاؤل العامري
صحيفة السوداني.
