المهدي في أم درمان.. ما لا يريده الأنصار!!

جئت لا أدري من أين ولكني أتيت… ربما هذه كانت حالة الشاعر الملتاع ، حينما عجز عن توجيه بوصلته لجهة تأوي مقيله.. ولكن بالنسبة لزعيم حزب الامة القومي الإمام الصادق المهدي الذي عاد أدراجه بعد رحلة غياب عن البلاد امتدت لقرابة العام، فإن الامر يختلف. جاء المهدي في رحلة عودة لأم درمان ظلت جماهير أنصار حزب الأمة يترقبونها منذ أن تم الإعلان عنها قبل شهر ليضع بذلك نقاط الدهشة فوق حروف كل السيناريوهات التي كتبت والمآلات التي رسمت لتلك العودة..

من أين جاءوا

جاء الصادق ولم يكن هناك رجال أمن لاعتقاله غير معتمري الفانيلات السوداء بارزي العضلات الـبودي قارد الذين اخذوا أماكنهم في (حزية) يمنة ويساراً قبالة الممشى الذي يحيط بكرسى الإمام ورهط من مستقبليه رئيس نداء السودان عمر الدقير ونائب رئيس حزب الامة فضل الله برمة ناصر والكثير من قيادات الانصار والاحزاب السياسية اضافة لبعض السفراء في الوقت الذي قامت فيه نائب رئيس حزب الامة المنصورة مريم الصادق بدور المترجم للسفراء، بينما ظل الابن المرافق للامام في كل خروجه بشرى الصادق قائما قبالة ابيه حاميا وحارسا وقد اعتمر بقميص (البودي قارد) قصير الأكمام لتبين من تحته (عضلات مفتولة) توضح ببيان تام إعداده لمثل هذه المهام باكراً. فيما ظهر شخصان وهما يتسلحان بـ(الكلاشنكوف) احدهما يمين المنصة والآخر يسارها في المواجهة. ورغم حديث الامام المهادن بحسب بعض أنصاره إلا ان الامر عده البعض بانه استعداد لمواجهة اي احتمالات…. ظهور شباب (البودي قارد) دفع بعض شباب حزب الامة الى التساؤل بالقول من أين أتى بهؤلاء؟ وكأن الأمر قد أخذ في نفسهم وهم الذين كانوا يقومون بهذه المهام.

دلالات المكان

قبة الإمام المهدي لم يكن مألوفا لدى حزب الامة إقامة مثل هذه اللقاءات الجماهيرية عندها، ولكن هناك من ربط بين اختيار المكان وبين المناسبة التاريخية ١٩-١٢ من كل عام يوم الاحتفال بإعلان الاستقلال من داخل قبة البرلمان، حيث اراد الأنصار اعطاء عودة الامام زخما تاريخيا يكسب اهميته ورونقه من ألق الاستقلال. و ما بين ترقب وانتظار جاءت عودة الإمام المهدي في وقت تشهد فيه الساحة السياسية مدا وجذرا بفعل التغيرات والضغوطات المعيشية..
لم تبرح قضايا الساحة السياسية الخطابات التي نثرت في المناسبة وقد تطرقت الى مسببات الأزمة وطرق معالجتها ومطالبة المؤتمر الوطني تحمل تلك الأعباء باعتباره حزبا حاكما. وقد استقبلت جماهير حزب الامة إمامها العائد من مقر إقامته متنقلا ما بين مصر وفرنسا وبريطانيا قبل ان يصل اثيوبيا مفاوضا ومحاورا ضمن قوى نداء السودان الذين وقعوا على خارطة الطريق الافريقية. ورغم وفاة شقيق الإمام فيصل ببريطانيا، اعتبر المهدي المناسبة تأبينا له استقبل من خلالها معزيه وشاكراً لكل من شارك فيها.

أزمة الـ(نداء)

لم تخل المناسبة من التطرق لأزمة نداء السودان، فقد تطرق رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير رئيس قوى نداء السودان في خطابه امام حشد الانصار الى ضرورات الحل السياسي الشامل الذي يبني نداء السودان آماله عليها في التغيير الديمقراطي والوصول لتسوية سياسية غير مجبر عليها، متسائلا عن الواقع البائس الذي تمر به البلاد الآن بإشارته لمسببات هذا الوضع وتسميتها بالاطروحة البائسة، داعيا قوى الاجماع ونداء السودان الى تناسي الخلافات مستعرضا ما قاله ابوعيسى بفشل النداء، وقال يجب تجاوز هذه الاساءات التي طالت قيادات قوى النداء دعما.

طلبات المهدي

(أنا عارف شعوركم ومشاعركم وكل الذي أرجوه منكم ان تنشطوا حاستين فقط هما السمع والبصر وتعطيل باقي الحواس.. انا عاوز أخاطب عقولكم وقلوبكم )…. بهذه العبارات ابتدر الصادق المهدي حديثه أمام انصاره بعد غيبة طويلة. وقال المهدي ما بيننا الآن وطن يضيع وواجبنا ان نحميه.. بعد غيبة دامت احد عشر شهرا تنادى اهل الوطن مع اختلاف انتماءاتهم في الترحيب بعودتي بعبارات المودة والمحبة متطرقا لذلك بقوله(قلت اخو قالوا اخ عن قرابة قلت لهم ان الشكول أقارب). وزاد المهدي (لا اجد في معجم العرفان عبارات كافية لشكر الذين هبوا لمقابلتي ..نعم غبت عن ارض الوطن جسدا اما روحيا وقلبيا وعاطفيا فالوطن كامن فيها وان لم نكن جسداً فيه، ولدى العودة تجيش المشاعر نحو مكان الميلاد..) معبرا عن حالته لدى وصوله البلاد بقوله”وأجهشت للسودان لما رأيته).

كشف حساب

(العمل العام لا ينبغي ان يكون للراحات)….. بهذه الكلمات يريد الامام ان يوضح لأنصاره ان رحلته للخارج لم تكن للاستجمام وانما بذل فيها من الجهود ما أضنى جسده وذلك في قوله”على قدر صبر المرء تأتي خطوبه” وقال مذكرا”رواد العمل العام خدام المجتمع”. وقدم المهدي كشف حساب عن فترة غيابه وقال ألقيت( ٦ )محاضرات وشاركت في(٣) مؤتمرات في كل من الأردن وجزر المالديف عن التطرف. كما انه قام باجراء مقابلات مع الكفاءات السودانية المقيمة بالخارج. وسمى المهدي السودانيين المقيمين بالخارج “رأس المال البشري” وطالب بعدم تسميهم “مغتربين” وانما سودانيون بلا حدود . مؤكدا ان من اهم محطات نشاطه التعامل مع الوجود السوداني بالخارج، حيث اشار الى انهم قرابة الـ( ١٠) ملايين سوداني بالخارج و مدخراتهم تصل لـ( ٦٠) مليار دولار، وقال هم أصحاب كفاءات ينبغي ان توظف في الخطة الوطنية.
وأشار الامام الى تواصله مع نادي مدريد حول فشل الحملات المواجهة للإرهاب ، وواصل الامام في جرد كشف أعماله بالخارج فأكد انه التقى خلال غيابه بممثلي الدول المهتمين بالشأن السوداني، وقال سمعت منهم وبعد التفكير سوف اكتب للجميع تحت عنوان بوصلة صداقة السودان، خلاصتها ان يدعموا مبادرات السلام العادل الشامل والعودة الطوعية، والمساهمة في التعويضات والتعمير وكفالة حقوق الانسان والحريات والمساعدة في اعادة الأموال المنهوبة للوطن، كما عليهم ان يلتزموا بمعاملات طيبة للاجئين السودانيين..

فترة إثيوبيا

وتناول الصادق نشاطه في فترة وجوده باثيوبيا. فقال ” أرسلت لنا الوساطة دعوة وقبلنا الدعوة وقلنا لهم ان لنا في نداء السودان قوى لم يوقعوا في خارطة الطريق .. وذكر ان الآلية ذكرت ان اجندة اللقاء سوف يكون للتفاكر معهم حول المضي قدما في بحث الحلول.. وأخبر الوفد الحكومة بانه قادم للتوافق مع موقعي الحوار حول قضايا الدستور والانتخابات، وقال قلت لأمبيكي الحل بسيط اجتمعوا مع كل الموقعين؛ ولكن امبيكي فاجأهم بأنهم لم يوجهوا الدعوة إلا للموقعين على الخارطة. واكد المهدي بانه واثناء وجوده هناك زاره الوفد الحكومي مرتين وقالوا انهم يريدون الحوار حول الدستور ووقف العدائيات والاعانات، اما الدستور فأكد المهدي بأنهم على استعداد لبحثه في مؤتمر دستوري.. وقال انهم تجاوبوا مع هذه الرؤيا. وذكر المهدي الحضور بقوله” مهما كان سبب فشل الاجتماع فاننا نؤكد فيما بعد ما زلنا حريصين على آلالية الحوار الذي عطلته اضطرابات أدوار ادارة الآلية الافريقية ..

فذلكة تاريخية

وقدم المهدي فذلكة تاريخية تناولت ذكرى الاستقلال بقوله ” ١٩ ديسمبر مناسبة محملة بظروف عديدة في مقدمتها ان البلاد كانت على شفا
صراعات أهلية تفادتها بالحلول الصادقة دون حاجة لوساطة دولية وقد صدر قانون الفلاح الوطني.. وعاد ليسترجع مراجعاته حول العملة الوطنية وقال انها فقدت قيمتها بسرعة والنظام يفقد وضعيته الحاكمة باستمرار وزاد تحكم الفساد يضع السودان ضمن الـ(٧ ) دول الاسوأ على قائمة الفساد في العالم وان نسبة اللاجئين من قراهم بلغت عشر السكان، وان السودانيين كانوا يطلعون للخارج للعلاج فقط مرجعا ذلك كله نتاج سياسات خاطئة . وشكا المهدي الحال بقوله”سوء حال لو رأيناه في المنام لفزعنا”. وقال كل الذي نرجوه تهيئة اهلنا ليعبروا عن رأيهم دون عنف او تخريب وهو حق دستوري وانساني.

“كان غلبك سدها” !!

السودان صاحب مبادرات وموقع معاهدات تكمل هذه الحقوق السلمية بدلا من الاعتراف قدمت إحدى الزعيمات المشاركة في السلطة الى الدعوة
بقيام انقلاب عسكري وقال متهكما (الغلبك سدو وسع قدو) . وقال رغم سوء الحالة إلا ان الناس لا يختلفون على التشخيص.وقدم المهدي روشتة للقوى السياسية قال انها المخرج لازمة البلاد، مؤكدا انها ليست حل حزب الأمة وانما للسودان كله، ودفع المهدي بوثيقة سماها عقد اجتماعي جديد للخلاص الوطني يوقع عليها الكل لايجاد حلول سلمية. وزاد ” لا تشقى البلاد برأي العامة ورأي الفرد يشقيها”. وقال المهدي من يتخلف عن الوثيقة لا عذر له..فليس لنفس تبدي ممناعة عذر، وسمى العقد بصحيفة النجاة ويتكون من (٤) نقاط.

كفالة الحريات

ودعا المهدي الى ان يلتزام الجميع بوقف الحرب واطلاق سراح المحبوسين والاسرى وكفالة الحريات العامة، وتكوين حكومة قومية برئاسة وفاقية مهمتها الالتزام بقومية الحكم وتصفية التمكين والتصدي للحالة الراهنة بما يرفع المعاناة عن الشعب ويعالج الاقتصاد وتسكين النازحين واجراء العدالة الاجتماعية وعقد مؤتمر دستوري قومي مهمته تفصيل استحقاقات السلام الشامل و المواطنة والمساواة و كفالة الحكم الديمقراطي و الالتزام بموجب الدستور لضبط التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة. وقال المهدي “الشعب السوداني بتجاربه الثرة وتجريبه كل النظم، يجمع الكل على موقف موحد يجد التأييد من كل الناس ويعمل على فتح الطريق للمستقبل ويجد التجاوب من الاسرة الدولية. و طالب المهدي بمرشد لكل الدول الافريقية عن قانون انتخابات أنموذجي للحيلولة دون قيام كل ناس بعمل قانون خاص بهم يمنع الرؤساء التعديل في القانون.

أزمة الخليج

وأشار الى ان الموقف العربي يتسم بغاية الهشاشة و يفتح الباب للتدخلات الخارجية ويجعل المنطقة حقلا مفتوحا للدول الكبرى لتصفية حساباتهم فيها ولكي تتجنب المنطقة المضار ويصير لها قدراتها على الفعل الايجابي لابد من ان يكون لها القرار وإقامة صلح عام بين الطوائف الدينية ووقف الحرب المشتعلة في المنطقة. ورحب بالاتفاق اليمني مناديا بانعقاد لقاء شامل بين اطراف اليمن. واكد إمام الانصار بان الاستقطاب الخليجي عاد بالضرر لكل أطرافه التي اطلقتها. واقترح الصادق عبر رسالة لمؤتمر القمة العربي الاخير وجاءت تحت عنون الطيبات العشر ، طالب فيها بإجراء مصالحات بين الشعوب العربية وانشاء آلية مشتركة للوقوف على اسباب التطرف والإرهاب والعمل على إزالة هذه الاسباب. كما دعا الى تحريم اي اتصالات باسرائيل ما لم تقم على المشروع العربي في ٢٠٠٢ القائم على التعامل التعادل وقفل ابواب التدخلات الاجنبية، ودعا الى ان تبرم معاهدة حول موضوع الاحتباس الحراري وقال انه ( سوف ينجض) العالم وكنا وما زلنا مهتمين بالبيئة كما اننا من ضحايا الاحتباس الحراري . ونادى بتعويض الضحايا بصورة تمكنهم من مواجهة الأضرار الناجمة، والاهتمام بالطاقة المتجددة لمعالجة هذه المشاكل.

غرق المركب

وأوضح الصادق ان نبذهم للعنف يأتي لصالح النضال السلمي و ان المستقبل يقوم على الوحدة والحرية والمساواة. مشيرا الى ان النظام في السودان سوف يحقق الحرية والسلام للجميع. وأشار المهدي الى مشاركة الغائبين له الأفراح بعودته مثل عمه احمد المهدي الذي تشهد العلاقة بينهما لحظات فتور بسبب امامة الانصار، وقال انه أرسل لي مهنئا. وناشد قوى الاجماع والاتحاد الديمقراطي وحملة السلاح الحلو وعبدالواحد بالانصياع لصوت العقل والرجوع له، وزاد: مستعدون في كل هذه القضايا ان نشارك الآخرين. وما قدمناه من وثيقة مقترحات بتوحيد المصير الوطني ليس منزلا ولابد من انقاذ البلاد لان (مركب الوطن لو غرقت بنغرق كلنا) .وردد الانصار خلف الإمام بعبارات لا للحرب نعم للسلام،، ولا للاستبداد ولا لا للتفاوت الطبقي و نعم للعدالة لا للتمكين الحزبي نعم للوفاق. كما نادى بقوله الشعب يريد نظاما جديدا.

صحيفة الانتباهه.

Exit mobile version