سبع سنوات على الرحيل..محمد وردي

قرية (صواردا) فى شمال السودان والمجاورة (لجزيرة صاى مسقط رأس الشاعر والمُغنّى الشهير خليل فرح أو خليل العازة كما يحْلو لأهل السودان أن يُسموه) هى قرية ذات طابع خاص تقع فى منطقة المَحس والسكّوت، وما يميزها أنها قرية مدينة ومدينة قرية، حيث كونها (عُمودية) مكوّنة من تسع مشايخ وبها تلك الجزيرة الساحرة التى تسمّى (واوسّى) صواردا قرية ككل القرى فى بلادى الطيبة … أهلها طيبون … نسماتها عليلة … خضرتها زاهية … إلا أن بساطتها وكثرة طنبارتها هو ما ميزها أكثر عن غيرها.
فى صبيحة يوم 19/ يوليو/1932م وفى داخل أحد منازلها البسيطة الآمنة دوت صرخة مُعلنة ميلاد الطفل (محمد عثمان حسن صالح حسن صالح وردى) والذى عُرف فيما بعد بالفنان الكبير/ محمد وردى.
أستميحكم عُذراً سادتى بأن أستقطع من وقتكم الغالى عدة دقائق لنسُوح سوياً داخل واحة هذا العملاق ونكلم إلبوم الصور الخاص به ونستعرض بعضاً من ملامح مسيرته الفنية الطويلة والحافلة بكل ما هو جميل وشيق وخطير ومثير للدهشة والفضول، وسأحاول جاهداً أن أجعل كلامى ألا يطول.
وُلِد وردى كأى طفل يُولد فى القرية بالطريقة التقليدية آنذاك … وهو ابن مزارع عادي وبسيط من ناحية والده … أما من ناحية الوالدة والخُؤولة التى تأثر بها فيما بعد كثيراً، فجَده أحمد بدرى شريف الذى كان عُمدة البلد ويُقال إنه كان عازف طنبور ماهر ومُغنٍّ مُجيد … ويُحكى أنه كان فى عَهد التركية السابقة ذات مرة رفض أن يدفع (الخَرَاج) وتم سجنه فى مدينة دنقلا، فأخذ معه للسجن (طنبوره) وظل يرسل سلامه وتحاياه لأهله فى صواردا عن طريق الغناء وألّف مقطوعة (طنبورية) شهيرة ظلت خالدة حتى يومنا هذا يتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل … أما أخواله فكلهم كانوا مُغنين وعازفى طنابير … ووالدته الحاجة (بتول أحمد بدرى) يقال أنها كانت تتميز هى الأخرى بصوت جميل وعذب، وكانت تردد أغانى (الخليل) باستمرار إلى جانب الأغانى التى كان يتداولها (الرواويس) فى المراكب التى كانت منتشرة فى المنطقة بصورة واضحة، حيث تُعتبر المنطقة ورشة لصناعة المراكب الشراعية.
بلغ وردى سن السادسة، وقبل دخوله المدرسة بفترة قصيرة كان يُجيد العزف على آلة (الطنبور) التى كانت أصلاً موجودة فى المنزل، فأصبح يترنم ببعض الأغنيات النوبية التى كان يرددها الناس فى تلك الفترة وصار مجنوناً بالغناء ومتعلقاً به كثيراً … حتى فى أحلك الظروف كان لا يتردد فى أن يُغنّى … وصادف أن وجده عَمه يُغنّى بعد أسبوع فقط من وفاة والده الذى توفى عام 1941م وتركه فى التاسعة من عمره، فهمَّ عمه بضربه ولكنه وجد الحماية من حبوباته (جداته) وخالاته اللائى كنّ يخشين عليه من العين والحسد، وكنّ يضعن عليه (البطانية) عندما يُغنّى أمام الناس.
مارس وردى حياته الطبيعية كطفل عادى كما ذكرنا، واختلط مع الجنسين وشاركهم ألعابهم بالرغم من أنه كان مدللاً بين الأسرة بأكملها، خاصة بعد وفاة والده ووالدته التى توفيت وعمره عام واحد فقط، إلا أن ذلك الدلال لم يمنعه من ممارسة ما يدور فى خلده وهو حُبه للغناء والطنبور.
درس وردى مع أطفال القرية فى مدارسها حتى صار عُمره أربعة عشر عاماً فى عام 1946م، وفى العام ذاته ذهب إلى زيارة جَده المقيم بقاهرة المعز الذى كان يعمل فى سرايا المَلك فاروق حينذاك، وكاد أن يُغيّر له مَجرى حياته بإدخاله الأزهر الشريف، فتمرّد عليه وقال له أدخلنى فى أى مكان أتعلم فيه الموسيقى، فغضب جَده وقام بطرده من المنزل، ولو تم ذلك ودخل الأزهر لكان اليوم مأذوناً فى إحدى مناطق المَحس والسكّوت أو فى قريته صواردا أو مكث هنالك مع جَده، ولكن مشيئة الله أبت له أن يكون كذلك (المكتوبة ما بتتفات والمقسومة ياها الجات)، فعاد لمسقط رأسه وأكمل دراسته والتحق بالعمل فى إحدى مدارس المنطقة (مُدرساً).
هنا بدأت المعاناة (مُدرّس مُغنّي)!!؟؟
فى ذلك الزمان يا سادتى كان المُدرّس يُسمّى (شيخ)، وهذا يعنى أنه فى القرية يُعتبر القدوة للآخرين، وهو إمام الجامع والمُصْلح الاجتماعى، ويُعد من كبار الشخصيات فى البلد (زمن الزمن كان زين والناس حِنينين)، وكان يُؤتَى به ضمن الأجاويد فى حل المشكلات المستعصية وليس مقبولاً البتة أن يكون (مُغنّى) أو يكون لديه عُود أو طنبور … وفى هذا الجو المشحون بالترقب لِما سيحدث تمت شكوته أكثر من مرة لإدارة التعليم، وعندما أتى المفتش للتحقق من صحة الشكوى سأل عن مقدرات وردى (التدريسية)، فكانت الإجابة من أهل القرية زملاءً وطلاباً وأهالى بأنه يؤدى واجبه على أكمل وجه فى المدرسة، فقال لهم المفتش: هذا هو المهم … أما كونه يُغنّى ويرقص ليلاً هذا ليس من شأننا … هذا القول وقع برداً وسلاماً على وردى (المُغنّى أولاً والمُدرّس ثانياً)، وكان ذلك بمثابة الضوء الأخضر ليواصل مشواره الأخضر حتى أكتوبر الأخضر … ونستطيع أن نقول بكل تأكيد إن وردى وُلِد مُغنياً وفى فترة وجيزة أصبح الصبح عليه ووجد نفسه مُغنياً ومُدرّساً معروفاً فى كل المنطقة من دنقلا إلى حلفا التى عمل وتنقل فى العديد من مدارسها، بل تعدت شهرته المنطقة حتى حدود منطقة الشايقية.. فى تلك الفترة أيضاً تعلم العزف على آلة العود وأتقنه، وكان يدوزن العود على أنغام المذياع دون مساعدة من أحد … وحفظ الكثير من الأغنيات النوبية وبعض الأغنيات لكبار الفنانين فى تلك الفترة أمثال: الكاشف … حسن عطية … أحمد المصطفى … عثمان حسين … عبد العزيز محمد داؤود … وإبراهيم عوض الذى كان وردى معجباً به كثيراً لأنه كان فى قمته وقتذاك حيث انتهج منهجاً آخر غير الذى كان مألوفاً لدى الناس وهو الغناء الخفيف … وساعده على ذلك التقائه بعبد الرحمن الريح والطاهر إبراهيم، فاستطاع ثلاثتهم أن يوظفوا الإيقاعات الإفريقية ويحركوا الغناء من الجمود الكلاسيكى إلى الحَركى … مكررين تجربة الرحبانية إخوان وفيروز (مع حفظ الفوارق)، ومن هنا إزداد تعلق وردى بأغنيات إبراهيم عوض وصار يرددها كثيراً.
وفى أواخر عام 1956م وأوائل عام 1957م تم ابتعاث محمد عثمان وردى إلى معهد التربية (شندى) وعُمره وقتذاك خمس وعشرون عاماً و (متزوج)، وذلك للتدريب على طرق التدريس، وصادف وقتها أن كان لمطربه المفضل إبراهيم عوض حفل غنائى بمدينة شندى ذاتها … وسَعَى وردى جاهداً لمقابلته والتحدث إليه دون جدوى، فعرض على منظمى الحفل أن يوزع لهم ثمانين تذكرة بالمعهد للمعلمين مقابل أن يسمحوا له بمقابلة الفنان إبراهيم عوض الذى قال لهم: ما عايز أقابل أى حد … وبعد طول انتظار وبالصدفة فتح أحدهم باب الغرفة التى كان يجلس فيها إبراهيم عوض، فدخل وردى دون إذن من أحد ووقف أمامه وسلم عليه كمُعجب، ثم قال له: يا أستاذ أنا بحبك جداً وبغنّى أغانيك والناس بتقول أنا صوتى جميل، فهل ممكن تساعدنى عشان أدخل الإذاعة؟ فرد عليه إبراهيم عوض: (دى حكايه صعبه جداً) فتركه وخرج … وبعدها بفترة قصيرة قرر وردى أن يزور الخرطوم للترفيه فقط … فذهب للخرطوم وهو يمتلك حصيلة كبيرة من الأغنيات النوبية الخاصة التى كان يؤلفها بنفسه حيث كان (شاراً) والشار بالنوبية تعنى المؤلف أو الشاعر، وكلمة (شار) بالرغم من قربها من كلمة (شاعر) إلا أنها ليست لها علاقة بها، وهنا نستطيع أن نقول إنه أيضاً وُلِد شاعراً نوبياً عظيماً، وكان سيكون ليس أقل من (شكسبير) على حد تعبيره، لو قُدّر له أن يُولد فى بيئة لغتها حيّه لأن الشعر يُولد مع الإنسان بلغته الأم ولغة وردى الأم هى النوبية لذلك برع وأجاد فى الكتابة بها … كما كانت لديه فكرة كاملة وواضحة عن الغناء فى العاصمة ومزوَّد كذلك بإبداعات أدباء المنطقة كخليل فرح ــ الذى تربطه به وشائج القربَى ــ وجيلى عبد الرحمن وحمزة المَلك طمبل ومحيى الدين فارس الذين أنجبتهم تلك المنطقة الولودة والمعطاءة … وكان خاله عثمان أحمد بدرى يمتلك حينها (فنوغراف) ساعده على الاستماع لكل الأغنيات المسجلة على أسطوانات لخليل فرح وعبد الله الماحى وكرومة، فزادت من حصيلته المعرفية بالغناء.
وفى الخرطوم التقى بعض أهله وأصدقائه الذين يعرفونه مسبقاً، فأشاروا عليه أن يذهب إلى الإذاعة ويسجل أغانى نوبية (رطانة) لبرنامج ربوع السودان الشهير والذى كان يلتف الناس حول المذياع فى القرى لمتابعته وكانوا ينتظرون موعده بفارغ الصبر … وبالفعل ذهب وردى فى أحد أيام رمضان الصيفية فى نفس عام 1957م للإذاعة القديمة بـ (الهاشماب) وهو لا يدرى أنه على موعد مع الحظ الذى ابتسم له بمجرد دخوله العاصمة … وقابل لجنة الامتحان فى الصوت والأداء وكانت حينذاك تتكون من الأساتذة: علي شمو … حِلمى إبراهيم … متولي عيد … خانجى … خاطر … فطلبوا منه أن يغنّى لهم وهم لا يدرون أنه لاحقاً سوف يقول لهم يا إخوتى أنتم غنوا لنا … فغنّى وردى … وكان ذلك عند الساعة الواحدة ظهراً … بدأ بأغنيات الرطانة … ثم غنّى لحَسن عطية والفلاتية وإبراهيم عوض، واستمر يغنّى حتى حان موعد أذان المغرب (الإفطار) كل ذلك وأعضاء اللجنة مندهشون ومعجبون وصامتون عن الكلام، ينصتون لهذا الصوت الرائع العذب الذى خفف عنهم حرارة ذلك اليوم الرمضانى الطويل، وبعد أن انتهى من الغناء أشاروا عليه أن يبقى فى العاصمة ويمارس الغناء بها … فطرح عليهم وردى المعيقات التى تحُول دون بقائه بالعاصمة، وهى أسرته وأنه مرتبط بعمله كمُدرّس ولا يمكن أن يتم نقله لأن نظام (المجالس) حينذاك كان يمنع نقل الموظف خارج حدود مجلسه ــ أى أن حدوده المديرية الشمالية فقط ــ فقال له متولى عيد: قريبك محمد نور الدين الحلفاوى وزير الحكومات المحلية يستطيع أن ينقلك هنا ونشوف ليك شاعر وملحن … بالفعل اتصل على شمو بالشاعر الكبير (إسماعيل حسن) والملحن القدير (خليل أحمد) وتم الاتصال بالوزير (نور الدين) وأبلغوه برغبة اللجنة فى بقاء وردى بالعاصمة … فتحمس للفكرة خاصة عندما عَلم بأن الشخص المَعْنى من أبناء عُمومته وسيكون امتداداً لخليل فرح، وقام الوزير بالاتصال بالأستاذ (حسن نجيلة) الذى كان يعمل مديراً للتعليم فى الخرطوم حينذاك، وأمره باتمام إجراءات نقل الأستاذ محمد وردى إلى الخرطوم، فقال له نجيله: ممكن يتم النقل لكن … لا توجد خانة شاغرة فى أية مدرسة لاستيعابه بها … فأمر أن تُفتتح له مدرسة … وقد كان أن تم افتتاح مدرسة (الديوم الشرقية الأولية) وكان وردى أول مُعلم بها … من هنا بدأ وردى السودان بعد أن كان وردى الشمالية … وكما ذكرنا آنفأً فإن العاصمة كان بها عمالقة فى فن الغناء ومن بينهم الفنان إبراهيم عوض الملقب (بالفنان الذرى)، فكان لا بد لوردى أن يجد له مكاناً وسط هؤلاء العمالقة وهذا الكم الهائل من الطرب والإبداع الفنى، ولا بد له أن يفكر كثيراً قبل الظهور فى الساحة الخرطومية، خاصة أنه كان قد بدأ عصر الأغنية الخفيفة مثل: الحبيب وين قالوا لى سافر للكاشف … القربو يحنن والبُعدو يجنن لأحمد المصطفى … حبيبى جنني وأخريات لفنان الساحة إبراهيم عوض … وعالمياً ظهر فنان الروك العالمى الراقص (الفيس بريسلى) فكانت أول أغنية لوردى (يا طير يا طاير) التى قدمها له إسماعيل حسن وخليل أحمد وهما يعتبران أول من قدَّماه للمستمع السودانى عامة … ووجدت الأغنية صدى واسعاً فى الأوساط السمعية، وبدأت مسيرته الثلاثية مع إسماعيل وخليل، فصاغوا أجمل الأغنيات السودانية على الإطلاق، وكانت كفيلة بأن تتوَّجه على عرش الأغنية الطربية، وأصبح اسماً لامعاً ذائع الصيت يُشار له بالبنان فى كل السودان … وبدأت المنافسة الشديدة مع الفنان الذرى فى الأغنيات الخفيفة التى وكما قلنا كانت طابع العصر، وبدأ يلحن بنفسه، وساعدته على ذلك خلفيته الثرة فى الغناء والتلحين النوبى وحُبه للشعر، حيث كان الفنان (نوبياً) هو الشاعر والملحن والمُغنّى، وأيضاً تجربته الكبيرة فى كتابة الشعر النوبى.. فكانت ذات الشامة … يا ناسينا … صدفة … غلطة.. وأخريات … وهذا إلى جانب الأغنيات الكبيرة أو (المُتقّلات) كما يسمونها مثل أغنية … أول غرام … بشوف فى شخصك أحلامى … وأخريات التى استخدم فيها كل الآلات الوترية وآلات النفخ التى كانت منتشرة لدى الفرق الموسيقية بالقوات المسلحة السودانية … وفى عام 1960م قام بإدخال آلة الأورغ ولأول مرة فى أغنية (بعد إيه) وكان يعزف عليها أول عازف أورغ (صلاح عثمان) العائد من القاهرة وقتذاك.

الانتباهة

Exit mobile version