من هو الطبيب محمد ناجي الاصم ؟.. أحد ايقونات الثورة السودانية

الأصم.. “طبيب أنسجة التغيير”
ليست هنالك حقيقة واحدة جعلت من الطبيب محمد ناجي الأصم أيقونة نضالية وثورية، فهنالك من نظر لكونه “حلم” جيل طالما أرقه واقع بلاده! أو حيثية تمرد على مسلمات “الكهنوت السياسي”!! بينما عزا البعض ظهوره نيابة عن تيمه السري “تجمع المهنيين السودانيين” قامة تضحية سامقة، ولما كانت الثورة السودانية مشبعة بحضور أنثوي طاغٍ، ووعي بقضية وطن، فإن الفتيات تفاءلن بقميصه “الكاروهات” للانتصار على فشل أصحاب البدل وربطات العنق في ممارستنا السياسية بالخروج على مسلمة المظهر والزي لدى الساسة بالطبع! مثًل الأصم سلاح تجمع المهنيين “الفتاك” بما امتلكه من قدرة على التعاطي مع حيثيات الثورة وتخلقاتها، وامتلك كاريزما شابة نادرة في الظهور القيادي، ومن الصعوبة بمكان ايجاد أي خيط لتجربته في التاريخ السياسي العالمي بعامل السن فقط، فالأصم لم يكمل الثلاثين عاماً بعد، لكن كثيراً ما رأى فيه الناس حلم قيادة بلد مثل السودان.
1
بعد انقلاب نظام “الإنقاذ” بـ(عام ونصف) ولد محمد ناجي الأصم، بمدينة جدة، بالمملكة العربية السعودية، في العام (1991)م! قبل أن تنتقل أسرته، وتعود لمسقط رأسهم، حي (الرُبُع) جوار سوق مدينة الأبيض شمال كردفان، درس الأصم جميع مراحله الدراسية بمدينة الأبيض، مدرسة حي الدوحة الأساسية، ثم مدرسة النجاح الثانوية، ومنها إلى كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة كردفان، من المفارقات أن الأصم الذي ولد في “بواكير” الإنقاذ أصبح فيما بعد أحد (أيقونات) الثورة التي أطاحت بنظام البشير، بعد (30) عاماً من حكمه!!
2
ترجع جذور أسرة الأصم في امتداداتها وانتماءاتها لحزب الأمة القومي، وطائفة الأنصار! فجده “محمد مختار الأصم” كان أميناً لحزب الأمة بكردفان، ونائباً عن الحزب بالجمعية التأسيسية، دائرة (أم دورين)! ومع ذلك لم يمضي دكتور محمد ناجي الأصم، في طريق جده الزعيم، واختار أن ينضم للحزب الاتحادي الديمقراطي! وكان من المؤسسين لرابطة الطلاب الاتحاديين الديمقراطيين، بجامعة كردفان في عهدها “الذهبي”، في ذلك الوقت! ثم مركزية الطلاب الاتحاديين، وساهم مع أشقائه، في بناء ماعرف بـ(الحزب الاتحادي الديمقراطي – العهد الثاني)، الذي اختلفت مسيرته ونهجه كلياً عما يسود بداخل تلك الأحزاب الاتحادية!! ولاحقاً كان العهد الثاني جزءاً أصيلاً مؤسساً لـ(التجمع الاتحادي المعارض)، أحد الكتل الرئيسية (الخمسة) بقوى الحرية والتغيير، لكن الأصم ابتعد عن العمل الحزبي منذ وقت وبرز نجمه بتجمع المهنيين السودانيين، مكرساً كل وقته وجهده لتحقيق الأهداف التي يسعى هذا الجسم المهني “العريض” لتحقيقها، حيث كان لتجمع المهنيين الدور الكبير والرئيسي في إسقاط نظام الإسلاميين بالسودان.
3
شكل إضراب لجنة أطباء السودان المركزية، في العام (2016) في شهر (اكتوبر) بالبلاد، نقلة كبيرة، بالنسبة للأصم ورفقائه باللجنة، وخلق نجاح الاضراب ثقة عالية لديهم، فازدادت قناعتهم أن المهنيين، من مختلف الفئات، إذا تضامنوا يمكن أن يحققوا الكثير من النتائج، وتعزز هذا الاعتقاد بعد التضامن الذي وجده إضراب لجنة الأطباء من “الصحفيين” فكان عاملاً من عوامل نجاحه.
ويعد الأصم من القادة الفاعلين لـ(اضراب – 2016)، فبعد تخرجه من الجامعة، في (يونيو – 2015)م، ابتعد الأصم عن العمل الحزبي، واتجه للعمل النقابي، وصار من المؤسسين لـ(تجمع المهنيين السودانيين)، بعد دعوتهم في لجنة أطباء السودان المركزية لـ”التشبيك” مع الأجسام النظيرة، ثم انتخب الأصم عضواً بسكرتارية تجمع المهنيين السودانيين.
4
قضى الأصم (98) يوماً بالاعتقال، حيث جرى اعتقاله في ( 4 – يناير)، بعد أيام معدودة من انطلاقة الثورة السودانية! ولم يتم إطلاق سراحه إلا بعد سقوط النظام في (11 – إبريل) الماضي!! فتم استقباله استقبال الأبطال بميدان الاعتصام، واحتفى به الثوار، كونه أحد قادة الثورة، و “أيقونتها”.
كانت فترة الاعتقال (عصيبة) بالنسبة للأصم ورفقائه، ويقول أحد رفقائه بالاعتقال، “أن الأصم لم ييأس أبداً برغم طول مدة الاعتقال”! بل كان متفائلاً ولديه أمل كبير في التغيير سيحدث!! لكن همه الأكبر كان فقط في اللجان التي تركوها خلفهم، وظل مهموماً بها، هل تم اعتقالهم؟ وهل تم كشفهم؟ وما الذي يجري بشأنهم؟
ومع أن هناك عدة حركات سياسية سابقة دعت وعملت لإسقاط نظام الإنقاذ، إلا أن النجاح كان حليف (تجمع المهنيين السودانيين)، و (قوى الحرية والتغيير) فيما بعد، في أسقاط النظام! وذلك لنجاح التجمع في صياغة أهداف إلتفت حولها الجماهير، وصيغت باختصار فيما عرف بـ(إعلان الحرية والتغيير).
ساهمت وسائط التواصل الاجتماعي “السوشيال ميديا” بقدر كبير في إنجاح الثورة، وكان لها القدح المعلى فيها.
مقربون من الأصم، يلفتون إلى أن لديه قدرات هائلة في الـ(سوشيال ميديا)، ويجد نفسه في هذا النوع من الإعلام، وأفصح قيادي بتجمع المهنيين، أن الأصم يهتم جداً بـ”التصميم” للوسائط، وهو من قام بتصميم البوست لمظاهرات (25 – ديسمبر)، قبل أن يعتقل في يناير.
إنضم الأصم لعدد من الحركات السياسية والمدنية الداعية لإسقاط النظام السابق، منها حركة (حراك) من أجل الحرية والكرامة، وحركة (قرفنا)! وحركة نفير بالخرطوم، وشارع الحوادث بالأبيض، كل ذلك قبل تجمع المهنيين السودانيين.
5
عُرِف الأصم، وسط زملائه، أنه شخصية مَرِحَة ومُحتَرمَة، ومحبوب، وصاحب شخصية كارزمية، ملتزم دينياً، يقول أحد زملائه بالجامعة، أن الأصم لديه صوت جميل في “ترتيل” القرآن، ويشير ذلك الطبيب إلى أنه ينهض مبكرا وقت صلاة الصبح، بصوت الأصم، ويظل مستمعا تلاوته.
يعرف عن الأم أنه بعيد جداً عن العلاقات العاطفية! يكرس وقته للعمل الاجتماعي والثقافي، والنقابي، يقول أصدقاء مقربون منه، أنه عند دخوله للجامعة، كانت لديه مشكلة تجاه التحزب! إذ يرى الأصم “أن الحزبية تشق صف وحدة الشعب”! في وقتٍ يبغض فيه الأصم بشدة تيار اليمين الإسلامي (المؤتمر الوطني – وحركته الإسلامية)، ويرى أنه “انبنى على خدعة”!!
يصفه أحد رفقائه، أنه صاحب “نظرة ثاقبة” وقادر على قراءة المعلب صورة صحيحة، وعلى تشكيل الرأي العام وحشده لمناصرة قضيته، ويجيد التكتيكات الاستراتيجية، ولديه حنكة في العملية التفاوضية، اكتسبها من إدارته لعمليات التفاوض بالجامعة، التي كان قائداً ومشرفاً عليها، حيث كان يهتم بعمليات “التحالفات” بالجامعة.
يميل الأصم دائما للنقاشات والحوار، ويصفه رفقاؤه، أنه “ليس متشدداً في رأيه”، يمكن أن ينضم للرأي المخالف له، إذا أثبتت نتائج الحوار عكس اعتقاده.
لدى الأصم اهتمامات كبيرة بالعمل الثقافي، فهو من المؤسسين لـ(منتدى الرابطة القلمية) ، التي قدمت عدداً من المبدعين بالجامعة، وقادت ونظمت الحراك الإبداعي والليالي الثقافية، وكانت في عهده تتقاطر وفود الشعراء والمبدعين للجامعة.
إهتم الأصم بكتابة الشعر وكان يجد نفسه فيه، كتب معظم أشعاره باللغة العربية الفصحى، ولديه قصائد مشهورة في أوساطه.
بعد التخرج عمل الأصم، مساعد تدريس بكلية النهضة، قسم وظائف الأعضاء، وعمل كطبيب مقيم بقسم أمراض وغسيل الكلى بمستشفى بحري، ومستشفى علياء، وشرع في دراسة (الماجستير) في وظائف الأعضاء بجامعة الخرطوم، إلا أنه لم يكمل دراسته، وتفرغ للعمل بتجمع المهنيين السودانيين.
6
مثلت الطائفية السياسية، عثرة كبيرة أمام انضمام الأصم للاتحادي الديمقراطي، حيث لدى الأصم قناعة قوية بضرورة أن تبتعد الطائفية عن العمل السياسي!
تسابقت أحزاب اليسار السوداني (البعث، الشيوعي) لضم الأصم، الطالب بالمستوى الأول بكلية الطب، الذي يتمتع بعلاقات اجتماعية قوية وسط دفعته، وأصبح رئيساً لطلاب الدفعة (18) بكلية الطب، ولديه اهتمامات كبيرة بالعمل الثقافي، وكتابة الشعر.
أيضاً تقدم حزب المؤتمر السوداني، تجاه الأصم، طالباً ضمه لصفوفه بالجامعة، لكن الأصم انتمى للاتحادي الديمقراطي، عقب عامه الأول بالجامعة، بعد حوار ونقاشات مستفيضة، خاضها، مع قيادات رابطة الطلاب الاتحاديين الديمقراطيين بالجامعة، في ذلك الوقت، وكان في مقدمتهم، د. علي مطر، الذي كان مشرفاً على الرابطة، فالأصم، بحسب أحد زملائه بالكلية والرابطة، لم ينتمِ، إلا بعد أن وجد إجابات شافية حول تساؤلات بذهنه : عن كيفية رؤية الاتحادي الديمقراطي للدولة المدنية، والمبادئ الديمقراطية، وقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية، والنظام الاقتصادي.
ثم أصبح فيما بعد من المؤسسين لما عرف بـ(الحزب الاتحادي الديمقراطي – العهد الثاني)، وساهم مع أشقائه بالحزب في تأسيس القطاعات المهنية، لأول مرة في تاريخ الاتحادي! وكان لها دور كبير ومؤثر فيما بعد بالأجسام المهنية المطلبية، بتجمع المهنيين.
7
أظهر الأصم قدرات سياسية وتنظيمية عالية، عند انضمامه لرابطة الطلاب الاتحاديين، يقول د. إبراهيم عبد الحكم، زميله بكلية الطب، ورفيقه بالاتحادي، أن الأصم بعد انضمامه للطلاب الاتحاديين، تم تخييره، أن يكون كادراً سياسياً إعلامياً “خطابيا”، وبين العمل التنظيمي، فأختار الأخير، فتطور وتأهل بصورة لافتة! فأصبح أميناً عاماً لرابطة الطلاب الاتحاديين بجامعة كردفان! بعد عام واحد فقط من انضمامه!! في العام 2011م .
وشهدت الرابطة في عهده، بحسب محدثي، نهضة على المستوى السياسي والتنظيمي، وفي العام 2013 شارك الأصم في مؤتمر عام مركزية الطلاب الاتحاديين على مستوى السودان، الشهير بـ”واوستي”، فتم اختياره أميناً تنظيمياً للمركزية على مستوى البلاد.
8
نجحت الثورة السودانية في الإطاحة بالنظام، لكن الأصم الذي يعد أبرز قادتها يرفض بشدة تولي أي منصب تنفيذي أو تشريعي في السلطة الانتقالية! ومع أن التسابق يجري الآن في بعض (الكتل) بشأن الترشيحات في هياكل السلطة الانتقالية، إلا أن الأصم يرى أن أدواراً مهمة تنتظرهم، في (تجمع المهنيين)، وهي مراقبة تنفيذ أهداف الثورة، ومهام السلطة الانتقالية التي تم الاتفاق عليها، ودعم السلطة التنفيذية لتحقيق هذه الأهداف.
وفيما يصف البعض د. محمد ناجي الأصم، أن ما قام به الأصم ورفقاؤه، بقوى الحرية والتغيير، بـ”الهبوط الناعم” و ” التسوية السياسية” التي لاتحقق كل أهداف الثورة، إلا أن الأصم ورفقاءه يرون أن ماتم هو خطوة مهمة لتحقيق أهداف الثورة، والتي بالنسبة لهم هي عمل مستمر.
9
يعد محمد ناجي الأصم، أنه من أحد دعاة (الوحدة الاتحادية)، تقلد منصب نائب أمين الإعلام، بـ(التجمع الاتحادي)، قبل أن يبتعد عن الحزب، ويتفرغ للعمل النقابي بـ(تجمع المهنيين السودانيين)، كان الأصم من المخططين للوحدة الاتحادية، ويقول رفيق دربه عبد الحكم لـ(التيار)، أن الأصم يرى أن الوحدة الاتحادية يجب أن تبدأ من القاعدة وليس القيادة! وذلك بأن يتم دمج التيارات الاتحادية من القاعدة، ثم الولايات، ثم القيادات الوسطى والعليا، ثم المؤتمر العام!!
ويذكر حكم، أن الأصم لديه حلم واحد، وهو (وحدة الاتحاديين) فبالنسبة للأصم، فإن عافية الوطن، في عافية الحزب موحداً.
ومع ذلك فهو بحسب حكم يرى ضرورة أن يبتعد مولانا محمد عثمان الميرغني، عن رئاسة الحزب! ولايؤمن الأصم مطلقا بـ(مبدأ التوريث) داخل الحزب.
10
نشأ محمد ناجي الأصم، وترعرع في مدينة الأبيض بشمال كردفان، وهي المدينة التي قدمت للبلاد عدداً من القادة السياسيين، أبرزهم الزعيم الخالد، إسماعيل الأزهري، حمد الحسن عبد الله يسن، عضو مجلس السيادة 1986م، حسن مهدي نائب الجمعية التأسيسية من أول انتخابات ديمقراطية في العام 1953 إلى الستينات، والشيخ الشاذلي السنهوري، نائب بارا، ومشاور جمعة سهل، مثني مقترح الاستقلال من داخل البرلمان! والراحل بروفيسور محمد يعقوب شداد، رئيس الحركة الاتحادية، وغيرهم من الأعلام في مختلف المجالات.
يعرف إنسان كردفان بـ”السماحة”، وقبول الآخر، وألقت هذه البئة وأسهمت في تشكيل ملامح شخصيته.
تتكون أسرة الأصم من (4) أشقاء وشقيقات، هم، إبراهيم، محمد، فاطمة، عبد الله، على التوالي.
انتقلت الأسرة من الأبيض، لتقيم حالياً بحي (الأزهري) بالخرطوم.
11
الثورة السودانية، التي يعد الأصم، أبرز قادتها الأصم، مع رفقائه، بـ(تجمع المهنيين)، و (قوى الحرية والتغيير)، نجحت في الإطاحة بنظام البشير الشمولي، بعد 30 عاماً من الحكم! وشرعت في تحقيق مراميها بالتوقيع على الوثيقة الدستورية، التي ترى قادة التغيير أنها حملت جوهر مطالب الثورة، إلا أنه لايزال التحدي قائماً بالنسبة للأصم ورفقائه، وأولاً، في المحافظة على جسمهم المهني من (تغول) الأحزاب السياسية! وصد محاولات اختطافه !!
وثانياً، مقابلة تحدي التعامل مع الأحزاب السياسية داخل كتلة (قوى الحرية والتغيير)، فهي كتل كبيرة، ومتشاكسة ومختلفة! وقبل هذا وذاك عليهم مراقبة السلطة الانتقالية ومنع انحرافاتها عن أهداف الثورة.

بقلم
محمد سلمان
نقلاً عن صحيفة التيار

Exit mobile version