ضياء الدين بلال: الدولة العقيمة!

-١- شاع على نطاقٍ واسع أن وزارة الخارجية تعتزمُ الاستغناء عن عدد كبير من السفراء، لتستعيض عنهم بسفراء يتم تعيينهم بقرارات سياسية أو باستدعائهم من أرشيف المعاش!

قبل ذلك تمت تصفياتٌ واسعة لكوادرَ داخل أجهزة وهيئات ذات طبيعة فنية ومهنية.

الشعارُ الذي تتم تحت مشروعيته هذه التصفيات المدنية والعسكرية: السعيُ لتفكيك الدولة العميقة للنظام السابق.

-٢-

صحيحٌ النظامُ السابق سعى بكل استطاعته ووسع طاقته، لتمكين كوادره الحزبية داخل أجهزة الدولة.. بتقديم الولاء الحزبي على الكفاءة الوظيفية.

ليترتب على ذلك إقصاء المخالفين وتهميش غير المنتمين.

ما حدثَ أضعفَ أجهزة الدولة وراكم غيظاً وغبناً لدى قطاعات واسعة.

واحدٌ من أهم أسباب الثورة على نظام الإنقاذ، الإحساسُ المتعاظم أن الدولة بإمكانياتها وامتيازتها مُختَطفة لقلةٍ حزبية مغلقة اختزلت الوطن في ذاتها.

-٣-

من واجب حكومة الثورة، ردُّ الحقوق العامة لأهلها، إنْ كانت أموالاً أو مناصبَ أو امتيازاتٍ غير مستحقة.

ذلك يتم عن طريقين:

الأول/ استخدامِ ذات أسلوب من سلفٍ، عبر سياسة الإحلال والإبدال وانتقال إدارة أجهزة الدولة من قلةٍ إلى قلة عبر تصفياتٍ جماعيةٍ انتقامية بناءً على البطاقة الحزبية.

الثاني/ الفرزِ والتمييز بتحكيم معايير العدالة، فحصِ الكفاءة مع تفعيل آليات المحاسبة.

حتى يسقط من جاء إلى الموقع برافعة الولاء لا الكفاءة، دون أسفٍ عليه، ويُحاسَبُ بصرامةٍ من أجرمَ وأفسد، وكان الانتماءُ الحزبي له غطاء، تحت بند (فقه السترة)!

المضيُّ في الطريق الأول: التصفيةِ الجماعية على بطاقة الانتماء الحزبي، بغض النظر عن جدلية عدم عدالته وأخلاقيته أو مشروعيته الثورية .

يُحدِث حالةَ تجريفٍ جائر داخل أجهزة الدولة، ويُفقدها كوادرَ تم تأهيلها وتدريبها بأموالٍ طائلة من أموال الشعب، كما كتبت من قبل الزميلة النابهة لينا يعقوب.

ليس ذلك فحسب، بل يقدمُ تلك الكوادر هديةً مجانية للقطاع الخاص ولدول الاغتراب .

في مقابل ذلك ولملء الفراغ الوظيفي ليس هنالك من خيارٍ سوى استدعاء أو استجلاب كوادرَ بديلةٍ من الخارج جاهزة ومدربة .

بتكلفةٍ مالية عالية تكافئ أو تقاربُ ما يتقاضونه هنالك، ذلك عصيُّ المنال من واقع الحال.

أو الشروعُ في الإعداد والتأهيل لكوادر جديدة تخْلُف من سبق، وذلك يحتاج سعةً في الوقت وفائضاًَ من المال، غير متوفريْن الآن.

للأسف أن غالب البدلاء الجدد من ضعيفي التجربة والكفاءة، صعدوا إلى المواقع عبر الروافع السياسية والانحيازات الشخصية.

-٤-

أكثرُ ما ظلَّ يُقْعِد السودان عن النهوض، ويمنع انطلاقه في رِكاب الدول الباحثة عن مكان لائق بين الأمم، أنَّ كل حكومة جاءت بعد ثورةٍ أو انقلابٍ جعلت من تاريخ وصولها نقطةَ الصفر لبدايةٍ جديدة، مُنبتَّةِ الصلة بما مضى!

بدايةً تحت عنوان (التاريخ يبدأ من هنا)، دون النظر للتجارب السابقة للاستفادة من الأخطاء لتجنُّب تكرارها والبناء على الإيجابيات، مهما كانت صغيرة.

-٥-

حتى في حقبة الإنقاذ المُمتدَّة لثلاثين عاماً، كان هذا النهج السالب مستمراً؟

كلما أتى وزير، سعى لنسف ما فعله الوزير السابق ودخل في عداء شرس مع المقربين لسلفه، وعمل بكل اجتهادٍ لخلق دائرةِ ولاءٍ شخصي له، في مواجهة ما يراها (الدولةَ العميقة) للوزيرِ السابق!

-أخيرا-

مجموعُ هذه المعارك الصغيرة المزمنة، والتصفيات الكيدية المُتبادَلة بين الوزراء في الحكومة الواحدة والأنظمة المتعاقبة.. أضعفت أجهزة الدولة وأورثتنا الفشل، وأفقدتنا كثيراً من الكفاءات تحت سنابك المعارك السياسية والشخصية، لنصبح دولة عقيمة، مهما تغيرتِ الأنظمةُ لا يتغيرُ الحالُ إلا لما هو أسوأ.

ضياء الدين بلال

Exit mobile version