اماني ايلا تكتب:(المدنية الضائعة)

هل غاب نموذج الدولة المدنية عن واقعنا السياسي منذ استقلال السودان الأول والثاني وحتى تاريخ هذه الثورة؟ فالشاهد من التاريخ يثبت أن السودان ومنذ تأسيسه الأول وحتى في الفترات التي كان على رأس الدولة حكاماً عسكريين قام بترسية وإقامة مؤسسات الحكم المدني الكاملة المتمثلة في البرلمانات المنتخبة والمنظومة العدلية المتكاملة والمنظومة الأمنية الحاكمة للنظام ومؤسسات المجتمع المدني من الأحزاب وغيرها لم تغب عن المشهد يوماً أبداً، وظل غالب الحكومات في تاريخ السودان الحديث ومجالس وزرائها من المدنيين التقنوقراط من ذوي الخبرات والكفاءات العالية، لم يستثنَ من ذلك حتى الحكومات التي كان على رأسها عبود والنميري والبشير أخيراً، فما الذي كان ينقص السودان حتى أبريل 2019م لتأسيس (الدولة المدنية) التي يتصايح بها الجميع اليوم!؟
ومن المؤسف حقاً أن حكومة الثورة التي جاءت تنادي بالدولة المدنية بشعاراتها القوية المتمثلة في الحرية والسلام و(العدالة) باشرت بعد تشكيلها رئاسة السيد حمدوك (المدنية بكامل وزرائها) في تحطيم المؤسسات الراسخة لـ(الدولة المدنية) والتي ظلت قائمة وقوية منذ تأسيس السودان الحديث، ولنذكر كمثال لأهميتها تحديداً (المنظومة العدلية) التي تعتبر العمود الفقري لأي دولة مدنية إذ إليها يحتكم الفرقاء وبدونها لا دولة مدنية ولا غيرها يرتجى، والشاهد أن من قام بتحطيم هذه المنظومة هو نفسه (المكون المدني) الذي ظل يولول ويصيح ويحشد الجموع مطالباً بالدولة المدنية!! فالمكون المدني وليس المكون العسكري هو من قام بتعيين رئيس القضاء والنائب العام وهما من أهم أعمدة دولة القانون المدنية ثم قام بعزلهما وظل موقع رئيس القضاء شاغراً لأشهر تطاولت حتى هذه اللحظة ويقوم بمهام النيابة العامة قانوني مكلف! وما زالت البلاد في عهد حكومة دعاة الدولة المدنية بلا محكمة دستورية متكاملة وبلا محكمة عليا شاملة وبلا مجلس تشريعي يحاسب (حكومة الثورة المدنية)، والزعم من أن المكون العسكري هو من يؤخر تأسيس مكونات الدولة المدنية هو زعم باطل بالكامل وقد أكد بطلانه رئيس الحكومة حمدوك الذي صرح جهاراً نهاراً أنه لا توجد إرادة سياسية لدى المكون المعني بتأسيس هذه المؤسسات لقيامها، وقصد بذلك المكون المدني، الذي تحدث حمدوك نفسه عن خلافاتهم المستمرة في كل صغيرة وكبيرة تتعلق بتسمية أشخاص لتولي مواقع بالدولة حيث يحرص كل مكون مدني على أن ينال النصيب الأكبر من كيكة المناصب بهذه المؤسسات، ولعل أقرب مثالين لذلك المجلس التشريعي، بل وحتى لجنة الـ( 6+1) لحل الأزمة الراهنة فشلت لعدم قدرة الحرية والتغيير المجلس المركزي على تسمية ممثلين فقط منها لهذه اللجنة !!!
(الدولة المدنية) الشعار الأجوف الفضفاض الذي ترفعه أحزابنا السياسية اليوم أصبحت كقميص علي، وهي عندي نوع من شعارات الترف السياسي الرخيص الذي يستخدم كوسيلة لتحشيد الشعب في معارك فارغة لا ناقة له فيها ولا جمل، لا تخاطب همومه ولا مشاكله ولا تلبي مطالبه في حياة كريمة يعيش فيها مطمئناً آمناً في سربه ويستطيع فيها إطعام نفسه ومن يعول وعلاجهم إذا مرضوا وتعليم أبنائه ليضمن مستقبلاً مشرقاً لهم،
لقد عاش هذا الشعب في تاريخه الحديث في ظل ثلاث حكومات كان على قيادتها عسكريون وكانت مؤسسات الدولة المدنية تعمل فيها بصورة أفضل كثيراً من واقع الحكومات (الديمقراطية الثلاث القصار)، وكان الشعب ينعم فيها بالعيش الكريم قياساً على واقع اليوم البائس وقياساً على فترات الديمقراطيات القصيرة التي سادت في تاريخنا السياسي، وهو ما جعل الشعب يبكي ندماً على عبود عقب ثورة أكتوبر 64 فضجت الشوارع بالهتاف: (يا عبود ضيعناك وضعنا معاك)، وتكرر البكاء ندماً على النميري بعد ثورة أبريل 85 فخرجت الشوارع بالهتاف: (عائد عائد يا نميري)، واليوم نخشى أن بؤس العطاء وملامح الفشل في حكومة الثورة الثالثة التي لا تخطئها عين وعبثية الصراعات بين مكونات الساحة السياسية وترف الشعارات من شاكلة (الدولة المدنية) وغيرها، ستركل قطة الشعب الصابر فتجعل الشعار الذي بدأ همساً يتصاعد: (لا جاز لا غاز.. لا فول لا عيش.. أرجع يا بشه تعال معليش) على الذين انشرخت حلاقيمهم بالصياح (مدنياااااو) أن يعوا معنى الشعار، وأن ينظروا من يرغب فيه ويسعى إليه ومن لا يرغب فيه لأن في الدولة المدنية وبمؤسساتها الكاملة ستكون نهاية قبضته (الملح ومجانية) على مفاصل الدولة، مدنياً كان أو عسكرياً .=-=

صحيفة اليوم التالي

Exit mobile version