“معاش الناس” .. امتحان كل الحكومات

يُشكِّل “معاش الناس”، عصب الاقتصاد، ذلك لكونه مرتبطاً بشكل وثيق بمتطلبات المواطنين، كما أن الخُطط الاقتصادية موضوعة لتحقيق الرفاه الاقتصادي وتوفير السلع الاستهلاكية للمواطنين بأيسر السبل، لكن الحقيقة التي لا يمكن الالتفاف حولها أن هذه القضية شكّلت ضغطاً على نسبة كبيرة من المواطنين تأسيساً على تنامي معدلات الفقر مع ضعف حجم الأجور وعدم تناسبها مع مستوى المعيشة السائد، وغلاء الأسعار المتصاعد وتلك إشكالية يعزوها خبراء ومختصون إلى سياسات حكومية تسببت في رفع تكاليف المعيشة، من شاكلة تحجيم دور الإنتاج المحلي والاعتماد بشكل شبه كلي على الاستيراد من الخارج، وهو ما يعتمد كليًا على العملة الصعبة، وقياساً على تذبذب قيمة العملة الوطنية وتناقصها المستمر أمام العملات الأجنبية تبدو المعادلة منطقية “أسعار مرتفعة بالأسواق”.

آمال على الموازنة

ويعلق مواطنون، كما كل عام، آمالاً عراض على موازنة العام الجديد، لترفع عنهم بعض السنين، حال اشتمالها على المزيد من برامج الحماية الاجتماعية، ولكن هذه الآمال تبدو عصية المنال على المدى القريب، نظراً لتبني الحكومة سياسة إصلاحية قاسية، نتج عنها رفع الدعم عن العديد من السلع والخدمات، مما اسهم في تزايد سوء الوضع المعيشي، وتزايدت حدة الفقر.

خيبة التوقعات

ومنذ اكثر من عامين، ارتفع سقف التوقعات بأن يشهد الواقع تغييرا، اعتمادا على التغييرات السياسية التي مر بها السودان، ورفع الحظر الاقتصادي عن البلاد، بيد أن شيئاً من تلك التوقعات لم يتحقق، وهو ما تعزوه الخبيرة الاقتصادية د. إيناس إبراهيم بكون تحققها مشروطاً رهنت بخطوات جادة أجملتها في تعزيز دور القطاعات الإنتاجية، خاصة قطاعي الزراعة والصناعة والصناعات التحويلية، علاوة على الثروة الحيوانية التي تشكل مفتاحاً للارتقاء باقتصاد البلاد وتحقيق الرفاه للمواطن.

ظروف قاسية

وأثّرت الظروف الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد منذ سنوات، على قدرة المواطنين لتلبية احتياجاتهم المعيشية وتوفير السلع والمستلزمات الاستهلاكية، وزاد الأمر سوءا ارتفاع معدلات الفقر في السودان لمستويات عالية كانت تقدرها الحكومة السابقة بـ”46%” من جملة السكان، وهو رقم بعيد عن الواقع بحسب ما يقول مختصون، حيث يشيرون إلى أن أكثر من 75% من سكان السودان فقراء وفق المعايير المحلية، ويرتفع الرقم إلى “90%” بالمعايير العالمية.

تحدٍ للحكومة

منطقياً.. تدرك حكومة حمدوك الجديدة أهمية وتعقيد التحديات الاقتصادية، ذلك لأنها شكّلت عصب الحراك الجماهيري الذي كلل بالتغيير، وكانت المطالب الاقتصادية والمعيشية هي السبب الرئيسي في بروز وتنامي الأصوات الاحتجاجية، كما كان الاقتصاد هو المتأثر الأكبر بالإخفاقات التي حدثت طوال الفترة الماضية، ووصل الأزمة لحدود عجزت فيها الحكومة عن معالجة قضايا شح السيولة التي لا تزال مستمرة، علاوةً على تصاعد أسعار الصرف وما نتج عنه من تراجع احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي اللازم للاستيراد.

أزمات ثابتة

ومنذ نحو ثلاثة أعوامٍ، كانت ولا تزال المطالب الاقتصادية والمعيشية هي السبب الرئيسي في بروز وتنامي الأصوات الاحتجاجية، كما كان الاقتصاد هو المتأثر الأكبر بالإخفاقات التي حدثت طوال الفترة الماضية، ووصلت الأزمة الى حدود عجزت فيها الحكومة عن معالجة قضايا شح السلع وتوفير الخدمات، وهي مشكلات ادت بدورها لتبعات كارثية تمثلت في ارتفاع أسعار الصرف وارتفاع التضخم لمستويات قياسية وما تلاه من ارتفاع المستوى العام للأسعار لحد عجزت فيه غالبية المواطنين من تأمين احتياجاتهم الحياتية.

وهي ذات المعضلات التي ما زالت عصية على الحل من قبل وزارة المالية، لأنها بكل وضوح غير قادرة على وضع حلول، وهنالك تحديات كبيرة واجهت موازنة 2021م وهي نتيجة طبيعية لتبعات إرث ثقيل من الانتكاسات الاقتصادية لا تبدأ من افتقار البلاد لموارد حقيقية لتمويل هذه الموازنة، ولا تنتهي بتدهور العملة الوطنية، ويبدو أن وزارة المالية تسير على ذات الخطى القديمة دون الوصول الى مرفأ سلامة يضمن حياة معيشية كريمة للمواطن ويُخرج البلاد من حلق الضيق الاقتصادي والأوضاع المأزومة.

فشل حكومي

ويقول خبراء اقتصاديون، إنّ الاسباب المنطقية لعدم قدرة الحكومة خلال السنوات الثلاث الماضية، ان الموازنات لم تول القطاعات الإنتاجية الاهتمام المطلوب مقارنة مع الصرف السيادي غير المنتج، أكثر من اهتمامها بـ“معاش الناس” لكونه مرتبطاً بشكل وثيق بمتطلبات المواطنين، كما أن الخطط الاقتصادية بعامة، موضوعة بالأساس لتحقيق الرفاه الاقتصادي وتوفير السلع الاستهلاكية للمواطنين بأيسر السبل، لكن الحقيقة التي لا يمكن الالتفاف حولها أن هذه القضية شكّلت ضغطاً غير يسير على نسبة كبيرة من المواطنين، وذلك تأسيساً على تنامي معدلات الفقر، مع معطيات أخرى مثل ضعف الأجور وعدم تناسبها مع غلاء المعيشة والأسعار، وتلك إشكالية يعزوها خبراء ومختصون لسياسات حكومية تسببت في رفع تكاليف المعيشة، بتحجيم دور الإنتاج المحلي والاعتماد بشكل شبه كلي على الاستيراد، وهو ما يعتمد كلياً على العملة الصعبة وقياساً على تذبذب قيمة العملة الوطنية وتناقصها المستمر أمام العملات الأجنبية، تبدو المعادلة منطقية “أسعار مرتفعة بالأسواق”.

غلاء الأسواق

وتمر الأسواق بحالة من تباين الأسعار للسلع والمستلزمات الغذائية، إلا أن الغلاء هو السمة العامة لكل سوق، كما أن القوة الشرائية منخفضة، مَا أدى لركود حركة البيع بالأسواق بحسب ما يقول التجار.

ويرى التاجر صديق إبراهيم بسوق الكلاكلة اللفة، أن المستلزمات الاستهلاكية لا تتأثر كثيراً بارتفاع أسعارهاـ وقال إن الحاجة إليها تظل مستمرة مهما حدث، في وقت يرى فيه أن بقية السلع غير الأساسية يمكن للمستهلك الترشيد في استهلاكها وشرائها بحسب ما تَيسّر، وقال: يمكن الاستغناء في حال زادت أسعارها عن الحد المعقول، مشيراً إلى أن أغلب زبائنهم هم أصحاب متاجر التجزئة بالأحياء، علاوةً على الفريشة والتجار الجائلين، منوهاً إلى أنهم يتعاملون مع المصانع مُباشرةً بشراء كميات تجارية وحفظها بالمخازن، معتبراً أن التحكم في السوق وضبط الأسعار ليس من مسؤولية التجار، مشيرًا إلى أن تقليل الرسوم والعوائد المفروضة على أصحاب المحال التجارية كفيلٌ بإنزال الأسعار لمستويات مقدرة، ويقول إن أفضل حل لجعل أسعار المستلزمات الاستهلاكية مناسبة هو تشجيع الصناعات المحلية الصغيرة، وقال إن ذلك سيحقق فوائد مزدوجة تتمثل في سد حاجة الاستهلاك المحلي بأسعار مناسبة وتوفير مبالغ الاستيراد من الخارج لسلع ومنتجات عادية يمكن تصنيعها محلياً بقليل من الاهتمام، معتبراً أن السلع الكمالية لا تؤثر على حركة السوق كثيراً، مشيراً إلى ركود كبير يضرب السوق، قائلاً: إن القوة الشرائية متدنية لحد كبير، وشكا من تعدد الرسوم التي تتحصّلها سُلطات المحلية من التجار، ووصفها بالكبيرة ولا تتناسب مع مستوى البيع وحركة السوق، وعدد الرسوم بأنها للنفايات والتصديق والكهرباء والإيجارات، وقلل من تأثير الباعة الجائلين والفريشة على عملهم، مشيراً إلى أن هؤلاء الباعة هم زبائنهم أيضاً ويتحصّلون على بضائعهم من محالهم بأسعار الجملة، لذلك تبدو أسعارهم أرخص قليلاً من المحال التجارية التي تبيع بسعر التجزئة، داعيًا سُلطات المحلية لتكثيف الجهود لضبط السوق والحد من ظاهرة تباين أسعار السلع وتخزين بعض كبار التجار للبضائع في غير موسمها، وإخراجها في موسم الندرة لبيعها بأسعار مُضاعفة.

الخرطوم: جمعة عبد الله
صحيفة الصيحة

Exit mobile version