لفتة بارعة من رئيس الوزراء البروف كامل إدريس في مخاطبته الرئيس الكولمبي قوستافو بترو، باللغة الإسبانية، ومناشدته دعم الجهود المتنامية إقليميا ودولياً في وقف تجنيد المرتزقة الوافدين من بلاده لقتل الشعب السوداني، مع مطالبته بدعم جهود البلاد المبذولة لرفع حصار الميليشيا عن الفاشر وشعبها الصابر.
ولا شك أن وزارة الخارجية ستنقل خطاب رئيس الوزراء للحكومة الكولمبية عبر سفارتنا في كاراكاس عاصمة فنزويلا المجاورة. وقد أفادت السلطات الكولمبية أن الرئيس الكولمبي قد شكل لجنة وطنية لتقصي الحقائق حول موضوع المرتزقة، وما سببه ذلك الأمر الفاجع دبلوماسيا من حرج دولي لبلاده، التي تقف في صف النضال الدولي ضد الأبادة البشرية في غزة، وضد كافة أشكال الطغيان الاستعماري، وسيطرة الإمبريالية على دول الجنوب.
ومن احترافية رئيس الوزراء ودربته المهنية تطرقه لرصيد الدبلوماسية الناعمة لكلومبيا، التي تمثلها روايات الروائي العالمي الشهير قابريال قارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل في الآداب، والذي قرأ السودانيون روايته الشهيرة المترجمة للعربية بعنوان: ‘الحب في زمن الكوليرا’ ..
السودان له سفاراتان لا غير في كل قارة أمريكا الجنوبية، والتي يفوق عدد دولها الإثنتين والثلاثين، ومعظمها من الناطقة بالإسبانية، وتتأثر بالحضارة الإسلامية، والمفردات العربية الممتلئة بها اللغة الإسبانية، وبتصريفها النحوي القريب منها. وباستثناء البرازيل، ودول صغيرة مثل سورينام التي تتحدث الهولندية، وبورتو ريكو المجاورة في الكاريبي وتتحدث الفرنسية، فإن كافة دول القارة تتحدث الإسبانية كلغة رسمية، وتتعاطف سياستها الخارجية مع قضايا الدول في أفريقيا، والشرق الأوسط، وتشاركها الإرث الاستعماري المشترك، والتهميش التنموي، وتتماثل مع مواقف دول إقليمية صاعدة إقليميا، ومؤثرة عالميا، مثل البرازيل، العضو المؤسس في مجموعة بركس BRICS التي تمثل نهجا اقتصاديا وتنمويا وسياسيا جديدا، مستلهما تجربة عدم الإنحياز، التي انطلقت لمجابهة تحديات الاستعمار منذ عام 1955م في باندونغ. وكان السودان ومصر والهند ويوغسلافيا وإندونيسيا من مؤسسيها.
ويتعين أن يسعى السودان للانضمام للبركس وفاءً ووصلا لدوره التاريخي في الشراكات التنموية الدولية، والتعاون بين الشعوب للنفع المشترك، وتعزيز الشراكات مع الدول ذات العلاقات الثنائية الدبلوماسية والاقتصادية التاريخية، كالهند والصين وروسيا والبرازيل.
وقد انضمت لعضوية المجموعة دول جارة شقيقة وصديقة للسودان منها: مصر وأثيوبيا وجنوب أفريقيا. فمن المستغرب دبلوماسيا واستراتيجيا تقاعس السودان عن اللحاق بعضوية المجموعة.
الخطوة الإيجابية الأخرى التي أثلجت صدور السودانيين، وتزامنت مع المئوية الأولى للقوات المسلحة، استعراض جهود اللجنة الوطنية، وتدشين برامجها في مجال البيئة وإعادة الإعمار، برئاسة الفريق إبراهيم جابر، والتي عكست جهود والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، ووكيل وزارة الصحة د هيثم محمد إبراهيم. ولا سيما الإعلان عن استنفار جيش البيئة المشكل من 2500 فرد لإصحاح البيئة بالخرطوم وكافة ولايات البلاد، ومجابهة تحديات موسم الخريف والأمطار، بما في ذلك استخدام طائرات صافات السودانية الصنع في جهود إصحاح البيئة.
وهذا شرف مستحق لأبناء وعلماء السودان من المهندسين الالكترونيين والدينامكس والكهرباء والكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، الذين بلغوا فيه مستوى من التميّز المشهود على مستوى القارة والإقليم. ومن تلقاء ذلك المشهد تبرز رمزية مشاركة طلاب جامعة الخرطوم في استعادة الوهج الساطع الذي يبدد غياهب الظلم وأوكار الاستبداد الظلامي الجاهل، المستقوي بمن نذروا أنفسهم ليطفئوه بالمال الحرام والعمالة والارتزاق.
فرمزية الصورة التي عكسها شباب الجامعة وطلابها الذين انخرطوا في برنامج إصحاح البيئة داخل الكليات بالجامعة، رسالة وطنية لكل العالم، عنوانها: أن السودان يُبنى بالعلم والمعرفة، وأن الوطن لن يبنيه سوى المخلصين من أبنائه، والعلماء الأوفياء الأصفياء.
دكتور حسن عيسى الطالب
