السودان فى عيون أعدائه

كتب بول كريق مساعد وزير الخزانة الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق ريغان مقالاً تحت عنوان (السياسة الأمريكيةالخفيةّ تحالف الإيدلوجيا والمال في تحطيم الدول .. مؤامرة تحطيم السودان!!) عرض فيه دراسة نشرها معهد السلام بواشنطن أواخر العام 1992 حذرت من سعي السودان إلى الإنتقال إلى مصاف الدول المصدرة للبترول بإنتاج يمكن أن يصل إلي مليون برميل يومياً.

وجاء في الدراسة أن السودان بنظام حكمه الإسلامي إذا امتلك القدرة الإقتصادية سيشكل تهديداً محتملاً للتوازن السياسي الذى يحافظ على المصالح الأمريكية في المنطقة، وهذا ما يثير القلق… وركزت الدراسة على ضروروة إستغلال التوجه الإسلامي الراديكالي لنظام الحكم من أجل عزل السودان وإضعافه!!

يقول الكاتب إن مبعث القلق الأمريكي من تطور إقتصادي يحدث في دولة فقيرة تبعد عنا آلاف الأميال سببه أن هذا القطر المطلوب ترويضه يحتل موقعاً إستراتيجياً بين إفريقيا المستعربة في الشمال وأفريقيا السوداء في الجنوب، وأن هذا البلد ما انفك منذ عهد بعيد يحاول تصدير (ثوراته) المتعددة والمختلفة للجوار الإقليمي ، منذ عهد الفراعنة القدماء حين دكت خيوله أبواب مصر حتي تخوم رفح، وإلى عهد الثورة المهداوية التي سيرت الجيوش إلى مصر وأثيوبيا وحتى الحاضر القريب حين إستشعر حلفاء واشنطن المقربين في مصر والخليج الخطر من المد الثوري ذي النغمة المرتفعة في الخرطوم . فهو بلد ذو طموح و أن البلد المذكور يقع في الفاصل الديني الحاسم بين أفريقيا المسلمة الشمالية وأفريقيا المسيحية والوثنية الجنوبية وهو بوابة حتمية للديانتين شمالا وجنوبا فضلا عن كونه عنصر جذب هام لقبائل غرب وشرق أفريقيا والتي إتخذته وطناً بديلاً منذ عهد بعيد مما شكل ممراً مهماً للأسلمة والتعريب في إفريقيا؛ لذا فهو بلد خطير بالحسابات الجيوسياسية البعيدة.

إذاً لم يكن غريباً أن يعقِب تلك الدراسة إنتهاج سياسة أكثر صرامةً من أجل حبس الجان في القمقم قبل أن تصعب السيطرة عليه، وقد زاد من قلق الإدارات الأمريكية أن السودان قد حقق بالفعل معدلات نمو إقتصادي زادت من القلق الأمريكي إذ بلغ معدل نمو ناتجه الإجمالي في إحدى السنوات 11% متفوقاً حتي علي الصين!! لذا فإن السياسة الأمريكية في مختلف الإدارات دأبت على تحيُّن الفرص من أجل إيقاع الضرر الإقتصادي والسياسي على السودان!!
ففرضت عقوبات اقتصادية – تُجدد سنوياً- بداية من العام 1993 لتوقع على هذا البلد أقسى أنواع التضييق الإقتصادي والذي هو في كثير من جوانبه يمكن أن تجده مثيراً للدهشة والإستغراب. يقول الكاتب كان لافتاً للإنتباه أن سكرتارية الخزانة الامريكية قد إستفاضت في شرح أوجه الحظر الإقتصادي على السودان في بند التعاملات المالية بأكثر مما فعلت لكل الدول الأخرى بما فيها إيران نفسها!!

كما باتت الإدارة الأمريكية تضغط في اتجاه وقف الحرب الأهلية بين الجنوب المسيحي والشمال المسلم لإجراء إستفتاء شعبي تؤدي نتيجته إلى إنفصال الجنوب الذي تقع فيه معظم آبار البترول، و في ذات الوقت كانت أصابعها الماكرة تُزكي خلسة نار حرب أخرى في إقليم دارفور ذي الغالبية غير العربية، من إثنيات بعضها مهاجر من غرب أفريقيا ووسطها – فصل الجنوب ببتروله ، وإشعال نار حرب بديلة هذه المرة داخل الكيان ذو الغالبية المسلمة الأكثر تجانساً كان هو الخطة البديلة
للمحافظين الجدد – وكان واضحاً للأشخاص العالمين ببواطن أمور الإدارة الامريكية أن الهدف النهائي هو ضرب السودان إقتصاديا وإيقاع ضرر هيكلي يمنعه من معاودة النهوض.
ونجحت السياسة الأمريكية فى مسعاها، إذ إنخفض معدل نمو الناتج الإجمالي إلى أقل من 3% وتضعضع موقف العملة المحلية كثيراً مما أدى إلى هروب الإستثمارات الأجنبية وصعوبات العيش المستمرة.

إن العقوبات الإقتصادية الأمريكية أوقفت الأجهزة الطبية الحديثة، ودمرت قطاع النقل الحديدي الرخيص ذو الفائدة الإقتصادية لصغار المنتجين ، وأنها أخرجت قطاع التعليم العالي والتقني عن ملاحقة تطور التكنولوجيا وعطلت مشاريع الطاقة. هذه السياسة ليس لها علاقة بنظام الحكم في السودان ، فالمقصود هو تدمير الدولة نفسها وتكبيلها بشكل نهائي.

نلاحظ أن الذهب صار هو السلعة الأساسية الجالبة للعملة الصعبة في السودان بعد أن إنفصل الجنوب ببتروله. لم يكن الأمر مرضيا لصقور الإدارة الأمريكية الذين كانوا يريدون هذا البلد راكعاً تماماً، لذا فقد هداهم تدبيرهم إلى الإستعانة ببعض المنظمات والأفراد ذوي الصلات المريبة لكي يقولوا بصوت عال أن الذهب يستغل في تأجيج الحرب الأهلية!!
هذه مجرد عينة من السياسة الأمريكية في أفريقيا والشرق الأوسط . وهي سياسة أقل ما يقال عنها أنها لا أخلاقية؛ ولا تعد الإدارات الأمريكية ، العالم سوى بالمزيد من نماذج هذه السياسة الماكرة غير الإنسانية والتي تحطم حياة بشر عاديين لا ذنب لهم، في سبيل أهداف خفية حمقاء لا علاقة لها بمعظم الأمريكيين. انتهى.

وهكذا يتضح لنا أن دويلة mbz داخلة بصرفتين!! فبالاضافة إلى أطماعها التوسعية تلعب كذلك دور الوكيل لأسيادها.
يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.

محجوب فضل بدري

Exit mobile version