د. عثمان أبوزيد يكتب: مهاتير محمد حيٌ يُرزق

يوم أمس سألني غير واحد: هل توفي الرئيس الماليزي السابق مهاتير محمد؟
استعنت بصديق في ماليزيا لأني لم أعد أثق في أخبار وسائل التواصل الاجتماعي، فأفادني صديقي مشكورًا: “خبر غير صحيح لكن للأسف تعرض لسقوط في منزله نتج عنه كسر في الحوض كما يبدو، ولا يستقبل الزوار بناءً على تعليمات الأطباء”.

مهاتير أو “تون محاضر” كما يطلق عليه الماليزيون رجل لماح، اشتهر بعباراته اللاذعة الذكية التي تتسم بالسخرية غير الجارحة. وتفيض مذكراته التي تبلغ (843) صفحة بأسلوبه اللماح الساخر الذي يجبرك على القراءة، وقد أطلعت على النسخة الأصلية في اللغة الإنجليزية.
من أمثلة عباراته الذكية حين خاطب ملكة بريطانيا في اجتماع دول الكومنولث بهراري:
The British adviser did not merely advise and the Malay rulers did not rule. They both did the opposite. And in the commonwealth, the wealth is not common.
وترجمتها: «لم يكن المستشار البريطاني يكتفي بتقديم المشورة، ولم يكن الحكّام الملايو يحكمون. بل إن كليهما كان يفعل عكس ذلك. وفي الكومنولث، ليست ثمة ثروة مشتركة». انفجرت الملكة بضحكة مجلجلة، وهي المعروفة ببرودها ورصانتها، تلك الضحكة النادرة التي رددتها هيئة الإذاعة البريطانية مرارًا.

وسمعنا من الرئيس الإندونيسي الأسبق بروفيسور يوسف حبيبي عبارة قالها مهاتير للأمريكيين: “يا أعداءنا الأمريكيين، أعطونا سلاحًا لنحاربكم به”! وكان حبيبي يتحدث إلينا في جاكرتا عن أهمية التصنيع والتصنيع الحربي بشكل خاص ليصل العالم الإسلامي إلى الاستقلال الحقيقي.

مهاتير محمد ظل مصدر إعجابنا في السياسة، ولا شك أنه أنموذج للقيادة السياسية الحصيفة.
نأمل أن نحظى في السودان برئيس مثله يجمع بين الحنكة السياسية والعلم، هل تراه ينجح كما نجح مهاتير في إطلاق النهضة المرجوة. قد يُقال إن مهاتير نجح لأنه قاد شعبًا مثل الشعب الماليزي.

كنا في مطعم ماليزي مع جمع من أساتذة الجامعة الإسلامية بكوالالمبور بانتظار إحضار الطعام، فتصادف أن اثنين من “جرسونات” المطعم تصادما وهما يحملان الطعام، فوقع ما في أيديهما على الأرض وتكسرت الصحون. رد الفعل منهما كان هادئًا.. وهو أن نظر كل واحد إلى الآخر، ولم يلبثا أن أكبّا على المكان ينظفانه. أحد الحضور علّق على الموقف قائلا: “ترى كيف يكون تصرف الرجلين لو كانا سودانيين ووقع هذا الموقف في مطعم بالخرطوم؟!”.

ليس ببعيد أن نحصل على رئيس أفضل من مهاتير، وليس ببعيد أيضًا أن يكون الشعب السوداني قد حصل له التمحيص الكامل من المحن والكروب، ونرجو أن تكون الأزمة التي مرّ بها قد زادته رسوخًا، وأن يكون كل جرح قد علّمه كيف يحيا أقوى مما كان.

د. عثمان أبوزيد

Exit mobile version