العودة إلي الخرطوم تحت قصف نخبة نرجسية تدعو لوطن مهجور بدلا عن أعادة بنائه:
“القمحُ مُرُّ في حقول الآخرينْ والماءُ مالحْ والغيم فولاذٌ وهذا النجمُ جارحْ”.
لقد كشفت استجابة الطبقة الناشطة سياسياً لعودة الحياة إلى الخرطوم وغيرها من المدن عن انحراف غريب عن المنطق السليم. ولكن قبل شرح مكامن الخلل في هذه الاستجابة، دعونا نؤكد أولاً أن للنقاش مستويين.
على المستوى الفردي أو العائلي، يُعد قرار العودة أو البقاء في الخارج قراراً شخصياً يتخذه الفرد أو العائلة وفقاً لظروفهم. ويتخذون هذا القرار باستقلالية دون الالتفات إلى دعوات الحكومة أو أي جهة أخرى. يقررون العودة إما لعدم امتلاكهم الموارد الكافية للعيش خارج البلاد، أو لاعتقادهم بأن الوضع في بعض المناطق أصبح مقبولاً وقابلاً للتحمل ويمكن إدارته، حتى وإن كان لا يزال بعيداً عن الوضع الأمثل.
هنا، على المستوى الفردي والعائلي، يمكن للحكومة وأنصارها إصدار نداءات غير ملزمة وتقديم أدلة على تحسن الأوضاع، ويمكن للآخرين ايضاح مخاطر العودة، لكن المواطنين يتمتعون بالوعي الكافي لاتخاذ قراراتهم بناءً على تقديراتهم الخاصة والمعلومات التي جمعوها من عائلاتهم وأصدقائهم ومجتمعاتهم التي يثقون بها.
أما علي المستوي العام، فقد ذكرتُ أنه من المفهوم لأي حكومة أن تطلب من مواطنيها العودة إلى مدنهم طالما لم تجبرهم على ذلك – شريطة ألا يكون هناك أي إكراه. لكن هذه الدعوة البسيطة من الحكومة قوبلت بانتقادات غريبة وتجريم، حيث اتُهمت الحكومة بدعوة الشعب للعودة إلى ظروف غير آمنة ومضطربة.
إلا أن من يُجرّمون الحكومة يرتكبون خطأً فادحًا، إذ أن لسان مقالهم هو أنه كلما هاجم عدو مدينةً، يصبح من واجب الناس الفرار وعدم العودة إليها حتى تُحررها جهة ما، وتعيد بناءها نيابة عنهم، وتُهيئ لهم ظروفًا مثالية من حيث الصحة والخدمات والأمن، وبعد ذلك فقط يُمكنهم العودة.
هذا المنطق المغلوط يعجز عن إدراك غرابة مطالبة الناس بالعودة فقط بعد أن يصبح الوضع مثاليًا، دون التساؤل عمن سيُحقق هذا الوضع المنشود. كما يعجز عن إدراك أن من واجب أو حق المواطنين العودة إلى مدنهم المدمرة والمساهمة في إنعاشها وإعادة الحياة إليها. من سيعيد الحياة إلي المدن لو ثبطنا همم من أرادوا العودة؟
هذا تفكير نرجسي أناني للغاية، لا يصدر إلا عن نخبة متغطرسة تعتقد أنه عندما يجتاح عدو مدينتها، عليها أن تغادر، وأن تفوض مهمة التحرير وإعادة البناء إلى غيرهم، والعودة فقط بعد تهيئة بيئة مريحة وآمنة لهم – بيئة لم يساهموا في عودتها بشيء، لا بيد ولا بقلم ولا تويت.
لكن ما الذي يفسر هذا الردّ الهستيري على عودة أكثر من ثلاثة ملايين شخص إلى السودان منذ ديسمبر 2025؟ الجواب بسيط، فقد راهنت قطاعات واسعة من الطبقة السودانية الحداثية على الجنجويد وسيدهم الأجنبي للانتقام نيابةً عنهاوسحق الجيش والإسلاميين. ولهذا السبب، إما أنهم دعموا الجنجويد علنا أو تعاطفوا معهم سرًا، أو اتخذوا موقف حياد محسوب. ومن الطبيعي أن يصعب على نخبة برجوازية الاحتفال بنصر لم تساهم فيه أو بذلت كل ما في وسعها لعرقلته ومنع تحقيقه، ومن هنا جاء هذا الاستخفاف الأسيف بعودة الشعب السوداني إلى مدنه. وربما فضحت العودة بؤس التعويل علي الجنجويد وبؤس الحياد في أعظم خطر واجهه الوطن.
من المُحزن أن يكون رد الفعل لعودة الناس إلى ديارهم بهذه الهيستيريا بدلًا من الاحتفاء الصاخب حتى لو كانت عودتهم الطوعية إلى أوضاع دمار شامل، فبامكانهم إعادة بناء ما تهدم من وطن بدلا من العيش الأبدي كمواطنين من الدرجة الخامسة في بلاد الآخرين. فهذا شعب لالبونا ولا عنب الناس وقليلتى ولا ضبايح طي، سكاتي ولا الكلام الني. كما قال إخوتنا في النكبة “القمحُ مُرُّ في حقول الآخرينْ والماءُ مالحْ والغيم فولاذٌ وهذا النجمُ جارحْ”.
لكن النخبة التعيسة تعتقد أن على المواطن أن يهجر بلده إذا إنهارت وان ينتظر جيش سناء والمستنفرين لتحريرها ثم بناءها بعد أن يدينهم ويجرمهم طوال الحرب من برجه العلماني العالي. أي منطق هذا؟ أي نوع يفكر بهذه الطريقة؟ لا يصدر هذا التفكير إلا عن عقلٍ ااغترب عن المنطق وفطرة الشعب السليمة بعد أن أكله فيروس الكوزوفوبيا المصنوعة في غرف الإستعمار.
فهذه نخبة تغنت بأشعار عن الكرامة الوطنية لم تفهمها وتظاهرت بحب شعب تضعه في زريبة خروف معلوف في إنتظار أن تقوده إلي أنوار شذوذها الوطني.
هذه الصفحة تقول أن قرار العودة خاص من حق أصحابه ولا تزايد علي أحد في داخل ولا خارج ولا داعي للتذكير بان الوجود في الخارج أحيانا يجعل الحياة ممكنة لاخرين في الداخل – تحويلات مغتربين وكدة.. ولكن الصفحة تحتفل بعودة الحياة إلي الخرطوم ولو تحت كدر حمار وتنحني لمن عادوا لمدنهم ولو كان حاكم السودان علي الحاج، ذلك الكوز الذي عانق قادة صمود في أوروبا هذا الأسبوع ثم تصور في منتصفهم.
معتصم اقرع
