وجدت دراسة أجريت في مدينة جدة عام 2012، لفهم الأنماط الأسرية الموجودة فيها، وبمشاركة حوالي ألف ومئتي أسرة، بينهم قيادات نسائية سعودية، اتضح أن 80 % من الأسر بعيدة تماماً عن المنظومة الصحية والتربوية المقبولة، والإشكالية ليست في خروج المرأة للعمل، وإنما في أنها حتى وإن جلست في بيتها ولم تعمل، لا تفهم دورها كأم بالشكل المطلوب، وتنشغل بنفسها عن أبنائها..
أظهرت دراسة أميركية نشرت في 2024، وشارك فيها ألفا أم، يربون أطفالا في سن المدرسة، تتراوح أعمارهم ما بين 5 و18 عاماً، أنهن يعملن أكثر في منازلهن وبمعدل الضعف، مقارنة بساعات عملهن التقليدي كل أسبوع، فقد تفرغ 53 % من المشاركات لرعاية أطفالهن، وتنازل 47 % عن هوايتهن وأوقات فراغهن لذات السبب، والقيمة المالية لأعمالهم المنزلية تساوي تقريباً العمل براتب سنوي يصل لنحو مئة ألف و480 دولارا، بافتراض دفع أجور لهن مقابل مجهوداتهن داخل البيت، وللعلم 70 % من النساء في الدراسة يعملن بدوام كامل أو جزئي، وأدوارهن كأمهات تشكل عبئاً إضافياً عليهن، وتوجد دراسات كثيرة تؤكد أنه كلما زاد الوقت الذي يقضيه الأطفال في الحضانات ومراكز الرعاية، زادت مشاكلهم السلوكية، وأصبحوا أكثر ميلا إلى التمرد والمخاطرة، وتأخر تحصيلهم الدراسي، وكلها أمور تكشف الدور المركزي لجلوس الأمهات في منازلهن، في مقابل خروجهن لسوق العمل، رغم أني لا أرفض الفكرة ولا أقف ضدها، وإنما أفاضل بين الأولويات.
زيادة على ذلك، وجدت دراسة نشرتها مجلة علم النفس الأميركية في 2019، أن الأم العاملة أكثر سعادة في حياتها الزوجية، لأن عملها يعطيها الإحساس بالإنجاز، وهذا يقودها إلى الشعور بالرضا عن الذات، ويعمل لمصلحة أبنائها.. وأبناء الموظفات، كما تقول الدراسة، أكثر تنظيما واستقلالية، ولديهم حس مرتفع بالمسؤولية، وهم مميزون في التحصيل الدراسي، وفي علاقاتهم الاجتماعية، وفي تقديرهم للآخر، وما قيل يخص الأمهات الأميركيات، وأتمنى أن تكون الأم السعودية في مستواها، وألا يكون الفارق بينهما شبيها بمركزيهما في تصنيف الفيفا لمنتخبات كرة القدم، فأميركا في المرتية الـ14، والمملكة في المرتبة الـ60، مع اعترافي بوجود الأفضل سعودياً، ولكنه استثناء لا يقبل التعميم.
بعض الاقتصاديين الغربيين يقف ضد عمل المرأة لأنه -في رأيه- يسهم في الاقتصاد بنسبة مزيفة قدرها 25 %، وخسارة حقيقية تصل إلى 50 %، إذا كان معدل الإحلال بالحد الأدنى، لأن عدد السكان في المجتمعات الغربية يمثل قيمة اقتصادية مضافة، وبالتالي فانشغال الأم بالعمل عن أطفالها، سيؤدي إلى قيامهم بتصرفات متجاوزة، وربما تسبب في تأخرهم الدراسي أو انحرافهم، والمعنى أنهم سيصبحون عالة على الاقتصاد الوطني وبلا إنتاجية، وهذا لا يغير في واقع أن غياب المرأة عن المشاركة في سوق العمل، إلا أن تأثيره بالغ على الأقل في حالة الدول العربية، لأنه سيؤدي لخسارتها 47 % من مداخيلها، أو ما يعادل ترليون وسبع مئة مليون دولار، واستنادا لأرقام 2019، وهناك 13 دولة عربية من أصل 15، تعتبر الأقل عالميا في أعداد مشاركة النساء في أسواق العمل.
المدرسة النسوية المتطرفة، ربطت خروج المرأة إلى العمل بمكانتها في المجتمع، وباستقلالها المالي عن تبعية الرجل، وفي رأيها، فإن قيم العفة والأمومة مجرد تبريرات معلبة لإبقائها في البيت، وصراع الأدوار يشكل هاجساً عند النساء، وبالأخص في مسألة التوفيق بين الأمومة والزواج والوظيفة، ويدخلها في حالة من الإرباك، وتعتبر فلسفة الريد بيل أو الحبة الحمراء، المعادل الموضوعي من جانب الرجال لمواجهة النسوية، ويجوز اعتبارها بمثابة تطرف مضاد، يقود فيه الرجل دفة التحكم في المرأة، ويستخدمه كجدار حماية لمواجهة تماديها وتسلطها عليه، وكلاهما مرفوض بطبيعة الحال.
في أوروبا قبل القرن السابع عشر، لم يكن هناك اهتمام بعلاقة الأم مع أطفالها، والثابت تاريخياً أنهم كانوا مجرد خدم يعملون بلا رواتب، في الأعمال اليومية لوالدهم، والسابق مرتبط بالناس العاديين وليس بالطبقات الاجتماعية الأعلى، التي كانت توظفهم في أمور أكبر وأكثر حساسية، وفي 2012، وجدت دراسة أجريت في مدينة جدة السعودية، عام 2012، لفهم الأنماط الأسرية الموجودة فيها، وبمشاركة حوالي ألف ومئتي أسرة، وبينهم قيادات نسائية سعودية، اتضح أن 80 % من الأسر بعيدة تماماً عن المنظومة الصحية والتربوية المقبولة، والإشكالية ليست في خروج المرأة إلى العمل، وإنما في أنها حتى وإن جلست في بيتها ولم تعمل، لا تفهم دورها كأم بالشكل المطلوب، وتنشغل بنفسها عن أبنائها.
الأنسب، من وجهة نظر المختصين، التي أتفق معها، هو مصادقة الزوجين قبل الارتباط على عقد ملزم، يحددون فيه الواجبات والالتزامات، تحسباً للمشاكل المستقبلية، وبالتأكيد التنازلات مطلوبة من الطرفين، ويوجد عمل قائم في الوقت الحالي، وبمعرفة قانونيين سعوديين، لصياغة وثيقة من هذا النوع، وبحيث تضم مكان تواجد الأبناء عند حدوث أزمة بين الزوجين بالطلاق، أو بالانفصال المؤقت، والمسؤول عن العناية بالأبناء، وشكل الحجاب، والحريات الشخصية الموافق عليها بينهما، وطريقة الصرف على الأساسيات والكماليات، وهل ستكون مشتركة أم من طرف واحد، ومعهما شرطا تمكين المرأة من العمل أو الدراسة، وإعطائها سكنا مستقلا وغيرها، وبما يحيد المفاجآت، ويجعل الأمور واضحة من البداية، ويسهم في تراجع معدلات الطلاق المرتفعة بين السعوديين، ويحول دون تفكك العوائل وانحراف الأبناء، لأسباب سطحية وتافهة أحياناً.
د. بدر بن سعود – جريدة الرياض
