وضعت الأجهزة الأمنية بولاية نهر النيل السودانية حداً لسلسلة سرقات نفذها ما عُرف إعلامياً بـ”لص الصيدليات” في مدينة عطبرة، الواقعة على بُعد نحو 360 كيلومتراً شمال الخرطوم. الجاني، الذي تحوّل خلال فترة وجيزة إلى مصدر قلق أمني متصاعد، كان يستهدف الصيدليات المناوبة ليلاً، مستغلاً هدوء الساعات المتأخرة وضعف الانتباه لدى بعض العاملين، لينفذ عمليات سرقة دقيقة أثارت حالة من الخوف والارتباك بين المواطنين والصيادلة على حد سواء.
ورغم تعدد البلاغات، لم يلجأ المتهم إلى استخدام العنف، بل اعتمد على تكتيك نفسي محكم قائم على “سيكولوجية التشتيت”، ما مكّنه من الاستيلاء على الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية باحترافية عالية، تاركاً خلفه صدمة وذهولاً، في مشهد بدا وكأنه عملية مدروسة بعناية وبأساليب أقرب إلى التقنيات البوليسية المعقدة.
كلمة السر “البحث عن دواء”
ووفقاً للتحقيقات الجنائية، استغل الجاني ثغرة أطلقت عليها الشرطة اسم “البحث عن دواء”. كان يدخل الصيدلية مرتدياً ملابس، لا توحي بأنه لص مخادع، بل تعزز مظهر الجدية والمصداقية، ويطلب أدوية أو تركيبات نادرة يعلم مسبقاً أنها محفوظة في المخزن الخلفي. وما إن يتوجه الصيدلي لإحضار الطلب، حتى يستغل اللحظة لمدّ يده خلف “الكاونتر” والاستيلاء على الهواتف وأجهزة الدفع الإلكتروني، في عملية اتسمت بالدقة والهدوء وأقرب ما تكون إلى فنون التخفي والسرقة الاحترافية.
هروب بلا ضجة
لم تكن مغادرة الجاني تثير الشبهات، إذ كان ينسحب بهدوء تام، مدعياً أنه نسي محفظته في العربة وسيعود فوراً، ما يؤخر اكتشاف السرقة لبضع دقائق حاسمة تمنحه فرصة الابتعاد بسرعة البرق، دون إثارة الانتباه، في أسلوب يعكس جرأة وثقة في التنفيذ.
الجاني في عطبرة بدا وكأنه خرج من صفحات فيلم “امسكني إن استطعت” Catch Me If You Can، حيث أتقن فن المراوغة والتخفي، وحوّل كل سرقة إلى عملية مخططة بعناية، مستغلاً نقاط ضعف الضحايا، وكان يتحرك بهدوء وذكاء دون ترك أثر واضح. مثل شخصية فرانك أباغنيل في الفيلم الشهير الذي أبدع في تجسيدها النجم الأميركي ليوناردو دي كابريو، اعتمادا على المظهر المحترم والتمويه النفسي لإقناع ضحاياه، مع قدرة فائقة على الهروب من الملاحقة التقليدية.
لكن، خلافاً للفيلم حيث اضطُر توم هانكس، الذي جسد دور ضابط مكتب التحقيقات الفيدرالي لمطاردة أباغنيل عبر القارات، لم تحتج الشرطة في عطبرة سوى إلى استخدام نظام تحديد المواقع لإسقاط الجاني، منهية مغامرته الليلية دون مطاردة طويلة أو معقدة.
الملاحقة بالتقنية الحديثة
أظهرت التحقيقات الجنائية أن الشرطة لجأت إلى تتبع أحد الهواتف المسروقة عبر نظام تحديد المواقع العالمي، ما أتاح تحديد موقع المتهم بدقة داخل سوق عطبرة. وعلى إثر ذلك، نُفذت عملية ضبط محكمة أسفرت عن إلقاء القبض عليه، وضُبط بحوزته 18 هاتفا ذكياً إلى جانب مبالغ مالية، لتنتهي بذلك سلسلة من السرقات وُصفت بأنها من أكثر العمليات دهاءً وتنظيماً في المنطقة خلال الفترة الأخيرة.
العربيه نت
