الافريقانية واللبسة النمرية…
المظهر الذي ظهر به حميدتي في كمبالا مساء الجمعة ٢٠ فبراير الجاري …المتمثل في اللبسة النمرية التي تشير للغابة…. وهو يهبط من الطائرة ثم اللبسة الكنغولية وهو يجلس مع موسفيني والاهم خطابة امام رهط من اتباعه الذي قال فيه انه منذ الان لا تفاوض ولا تفاهم الا تحت رعاية أفريقية.. ايقاد أو اتحاد أفريقي… وانه قد أعطى ظهره للعرب ثم علم البان افريكانسزم (الافريقانية) يرفرف أثناء حركاته وسكونه في كمبالا …هذا المظهر الجديد لنج ..يدل على تحول جذري في وضعية حركته السياسية والتي كانت لحمتها وسداها تقوم على عقيدة قبلية عروبية وهي قبيلة العطاوة …نعم كان الطلاء طلاء قوميا تمظهر في صراع المركز والهامش …أي المضاداة لدولة ٥٦ ولكن حتى هذا كان مستلفا من حركات سابقة له …فالمكون الفكري الأساسي لحركتة هو أن هناك قبيلة كبيرة تنتسب لجد واحد وهو جنيد بن شاكر …ظلت مهمشة داخل إقليم يدعي أهله الأصليين انهم تفضلوا عليها باستضافة في حواكيرهم وانه قد ان الأوان ان تثور هذة القبيلة وتستلم كل الدولة التي لم تنصغهم من الذين ادعوا استضافتهم …انهم يريدونه تمكينا مزدوجا في الدولة وفي الإقليم …
فكرة تجميع العرب المبعثرين في غرب السودان ومن ثم في غرب أفريقيا كانت سابقة لحميدتي بكثير ..للقذافي سهم كبير في بلورتها ….حميدتي بدا متواضعا كرديف للقوات المسلحة السودانية … ولكن هبت الريح في اشرعته وبسرعة البرق أصبح أقوى رجل في السودان وفي أفريقيا … عسكريا واقتصاديا وسياسيا… ولكن في كل المراحل كان مستصحبا عقيدته القبلية العطاوية العروبية وكانت قمة تضخمه وصلت في احتلال الخرطوم ووسط السودان كله …وهنا ظهرت العطاوية في أعلى مراحلها …وهذة العطاوية هي التي حولت احتلاله لقلب السودان الي عدوان فظيع لايقل عن النازي والفاشتي على المواطنين العزل الأبرياء… عوضا عن سيطرة سياسية تجعل منه حاكما لعموم السودان ..
بدأ العد التنازلي وبمتوالية هندسية للعطاوية بعد هزائم وسط السودان والإخراج من الخرطوم بالقوة… وهنا تراجعت العطاوية ثم ظهرت فكرة التأسيس والتي تعني إضافة المكون الافريقي المتمثل في الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو ثم صندل والهادي إدريس والطاهر حجر وهنا اهتز النقاء العربي لكنه لم يتراجع كثيرا ..ووصلت هذة الخلطة الجديدة قمة قوتها في سقوط الفاشر وبابنوسة وهجليج …ثم هبطت مرة أخرى بفك حصار الدلنج كادوقلي وظهور ملامح الخروج من كردفان ..واختفي حميدتي لعدة شهور ليخرج يوم الجمعة الماضي في هذا الثوب الافريقي و الافريقاني الجديد …
موسفيني يعتبر نفسه حكيم حكماء أفريقيا إذ مكث في حكم يوغندا عقودا وامتد نفوذه لوسط وشرق أفريقيا وجزء من غربها …لكن ماكينة موسفيني الحقيقية هي انه يعتبر الراعي الأول لفكرة ال Pan Africanism ..الرابطة أو الجامعة الافريقانية ..وهي ايدولوجية تقوم على العنصر نشأت في القرن السابق في أمريكا وأوروبا (الدايسبورا) اسسها َمفكرون من أصل أفريقي ..دي بوا ..وقارفي ..بادمور..ثم نقلها نكروما وجوموكنياتا وتولبربت الي أفريقيا ..هدفها كان تحرير العنصر الأسود في كل العالم واصبحت الان رابطة سياسية فكرية لها مؤسساتها المعلنة وغير المعلنة… ولها أزرع وايادي في الولايات المتحدة وأوروبا وفي أفريقيا بالطبع …وكان جون قرنق قد استفاد منها كثيرا وعندما أراد الخروج من قيدها الي السوداناوية كان له موسفيني بالمرصاد …
يوم الجمعة الماضي دشن حميدتي دخوله في الرابطة الافريقانية وعلي يد راعيها فماذا ينتظره فيها ؟ هذا ما تجيب عليه مقبل الايام ..ولكن دعونا نقول ان حميدتي في تمحوراته الواردة أعلاه لم يكن مدفوعا بفكره الخاص اي ليس من(راسه ولا كراسه) إنما هناك قوة دولية واقليمية هي التي تحركه وتمحوره …هذا لا يعني تجريده من اي أهلية فاللرجل ذكاء فطري يساعده على القفز من صفحة الي أخرى الي انن وصل صفحته الحالية والتي في ظني انها الأخيرة …دعونا نحاول القراءة فيها
…الجزء الثاني ..
كاتل ابوك ما ببقى اخوك ….
ظهور حميدتي في يوغندا مساء الجمعة ٢٠ فبراير الجاري جاء متقنا من ناحية الفنيات.. وقف عليه خبراء في الاخراج ..لكي تخرج منه رسائل سياسية موحية ومثيرة للتساؤلات.. لكي يسهر الخلق جراءها ويختصموا …ولكن خطابة العفوي الطويل الذي شرق وغرب فيه فضح كلما تم الترتيب له … وكشف ما تحت الابهار البصري ولعل اهم ذلك الانعطافة الحادة التي أعلن عنها وهي تركه للتوجه العروبي الإسلامي وتوجهه نحو أفريقيا والافريقانية …طبعا أفريقيا جغرافيا اما الافريقانية حالة..كالفرق بيين السودانية السوداناوية .فالافريقانية ايدولوجية فيها تسييس للعنصر وما يترتب على ذلك من أحاسيس ومشاعر… ولما كان حميدتي غير مستوفيا لشروطها بسبب تجربتة العطاوية القريبة ارتدى اللبسة النمرية ورفع علم الافريقانية بدلا عن علم السودان ..وجلس بالبدلة الكنغولية امام راعي الافريقانية موسيفني واكمل الباقي بخطابه …
هذا الانتقال في الفكر سياسي سوف يصاحبه انتقال حسي فمكان اقامته الشخصية ومركز نشاطه سوف يتحول إلى وسط أفريقيا … وجبهة قتاله سوف تتحول كذلك… فحواضن العطاوة لم تعد تناسب التوجه الجديد …ومن المرجح ان يكون له داعمين اضافيين جدد … فهاهو نتنياهو يصرح امس ان تحالفات جديدة سوف تنشأ في الشرق الاوسط وحوله لمواجهة التطرف
الشيعي والسني …الجديد في كلام نتنياهو عبارة (حول)
الشرق الأوسط وعبارة التطرف( السني )…إذن الترتيب لكرنفال كمبالا ذو اللبسة النمرية جاء في إطار هذة الاصطفافات الجديدة التي أشار إليها نتنياهو ….
أن الخروج من جلد الثور والدخول في جلد النمر لن يكون مجانيا …فهناك ثمن عالي سوف يدفعه حميدتي …ولعل أوله سيكون خروج العطاوة عنه وسيكون اعتماده على المرتزقة ..ثانيا الكارزيما التي كان يحظى بها لدى عرب الشتات لن يجدها في العالم الافريقي …ثالثا والأهم ماضيه القريب وابادته للعنصر الافريقي لن تغفر له … وحالة حربه معهم لن تنتهي بسهولة و(البدخل البطون ما بغسله الصابون) كما يقولون …في مقابلة تلفزيونية لحميدتي مع الاستاذ الطاهر حسن التوم استشهد بمثل بليغ من بيئته نصه (كاتل ابوك ما ببقى اخوك) فبحار الدماء التي اسالها سوف يصعب عبورها
….الثروة الضخمة التي يتمتع حميدتي سوف تتيح له البقاء في اقطار وسط أفريقيا المتعطش زعماؤها للأخضر الإبراهيمي ..لبعض الوقت .. والتحالفات الجديدة التي أشار إليها نتنياهو سوف تجعله يواصل دوره الوظيفي وللمرة الثالثة …ولكن ان يعود حاكما أو متحكما في السودان أو حتى ان ينفصل بجزء منه …الله اعلم ..فهذة مرحلة قد تجاوزتها تمحوراته …في تقديري انه قد وصل محطته الأخيرة وهي المحطة التي بها بوابة الخروج ….
عبد اللطيف البوني
