إن القدرة على الحفاظ على الاتزان الداخلي يمكن أن تكون أهم مهارة لا يتم التحدث عنها بما يكفي. ووفقاً لما نشره موقع Global English Editing، يسعى الكثيرون جاهدين لاكتساب الثقة بالنفس وحضور ورش عمل الكاريزما، لكنهم يغفلون عما يُبقيهم متماسكين حقاً عندما يشعرون وكأن العالم ينهار من حولهم.
الثمن الخفي للتواصل الدائم
إن كل رنين وإشعار يُدرب على البحث عن حلول خارجية لتنظيم المشاعر. لقد اعتاد الكثيرون على التهدئة الخارجية لدرجة أنهم ينسون كيفية تهدئة أنفسهم. ويمكن أن يشعر الشخص بالانفصال حال الافتقار للتأكيد المستمر من خلال رسائل البريد الإلكتروني والاجتماعات. ويكون عندئذ الصمت مُطبقاً.
لقد خلقت الحياة العصرية هذا الاعتماد عن قصد، حيث تُغذي خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي بحلقات ردود فعل فورية. كما تتطلب المحادثات النصية ردوداً فورية، بل إن الساعات الذكية تخبر حامليها متى ينبغي أن يمارسوا التنفس، كما أنه يتم الاعتماد على الأجهزة وتوافر الآخرين لتنظيم الجهاز العصبي.
أهمية الاتزان الداخلي
تُعبّر سوزان بولاك، عالمة النفس والباحثة، عن ذلك خير تعبير قائلة: “يساعد الاتزان على التعامل بمهارة مع تقلبات الحياة، من عواصف عاتية وأعاصير وزلازل ومآسي”. ولا يعني هذا التبلد العاطفي أو الانفصال عن المشاعر، إنما يعني الاتزان الداخلي تنمية القدرة على ضبط الشخص لانفعالاته بنفسه، بدلاً من ترك الآخرين يتحكمون بها.
ويتم تغيير أمور عديدة عند تنمية مهارة الاتزان الداخلي الذاتي، كما يلي:
• يصبح اتخاذ القرارات أكثر وضوحاً لأن الشخص لا يتأثر بكل تقلبات المشاعر.
• تتحسن العلاقات لأن الشخص لا يسعى باستمرار إلى الطمأنينة.
• يقلّ القلق لأن الشخص يتوقف عن الحاجة إلى تأكيد فوري لكل فكرة.
• تتوافق الأفعال بشكل أكبر مع القيم بدلاً من المشاعر اللحظية.
الاستقرار العاطفي
وأظهرت دراسةٌ حول الاستقرار العاطفي أن الأفراد الذين يتمتعون باستقرار عاطفي أعلى وتحكم داخلي أقوى هم أكثر ميلاً للانخراط في سلوكيات صديقة للبيئة، مما يشير إلى أن الثبات الداخلي يُمكن أن يُؤدي إلى أفعال أكثر اتساقاً تتوافق مع القيم الشخصية.
وعندما يكون هناك ثبات داخلي، يتخذ الشخص قرارات من منطلق الوضوح بدلاً من رد الفعل.
ممارسة بناء مرساة داخلية
ويمكن أن يبدأ الشخص ببناء مرساة داخلية لضمان استمرار الثبات العاطفي والاتزان الداخلي من خلال تخصيص فترات قصيرة من الوقت يكون فيها غير مُتاح لأي شخص سوى نفسه. ويجب أن يوقف الإشعارات لمدة 30 دقيقة. ويمكنه في هذه الأثناء أن يتقبل أي مشاعر تنتابه دون محاولة إصلاحها أو الهروب منها فوراً.
ويوضح الخبراء أنه ربما يشعر الشخص بعدم الارتياح في البداية وسيكون ذهنه مشغولاً أو سيحتاج إلى تفقد هاتفه أو سيقنع نفسه بأن أحدهم بحاجة إليه بشدة. ويشرح الخبراء أن هذه المشاعر في بداية الممارسة هي بمثابة انسحاب من سيل القيود الخارجية المتواصلة التي أدمنها الشخص.
استعادة السيادة العاطفية
يكمن التحدي الحقيقي، ليس في تعلّم هذه التقنيات، بل في تذكر استخدامها عندما تحلّ الفوضى. ينبغي أن يتوقف الشخص عن الاستمرار كمتفرج في حياته العاطفية. يجب أن يدرك أنه بينما لا يمكنه التحكم في الأحداث الخارجية، فإنه يملك دائماً زمام حالته الداخلية.
وفي بعض الأيام، يبدو الحفاظ على الثبات الداخلي أمراً مستحيلاً.
في هذه الأيام، ينبغي أن يعود الشخص إلى الأساسيات بمعنى أن يقوم بممارسة التنفس العميق دون حاجة إلى تطبيق إلكتروني يخبره متى يقوم بذلك. يمكن أن يقوم بنشاط بدني مثل ممارسة المشي دون الاعتماد على جهاز أو ساعة ذكية لحساب الخطوات. وأن يتناول الطعام دون تصويره. إنها تصرفات بسيطة للاكتفاء الذاتي تُعيد بناء صلة الشخص بموارده الداخلية.
مفهوم “هارا” الياباني
في الثقافة اليابانية، يوجد مفهوم يُسمى “هارا”، ويُشير إلى مركز ثقل الجسم ومركزه الروحي. إن تنمية “هارا” تعني بناء جوهر راسخ لا يتزعزع، يبقى ثابتاً بغض النظر عن الظروف الخارجية. وينبغي تذكر دائماً أن بناء الثبات الداخلي لا يعني الانعزال. لكن هناك ثمة فرق بين اختيار التواصل من منطلق الثبات، وبين التشبث به بيأس بدافع القلق.
العربيه نت
