الحرب الأميركية على إيران ونهج الصبر الإستراتيجي للمملكة

تبنت المملكة منذ بداية الحرب قبل أكثر من شهر نهجاً مدروساً طويل الأمد يرتكز على الصبر الإستراتيجي والتنافس الحذر، بهدف حماية رؤية 2030 وتعزيز مكانتها الإقليمية بهدوء دون تحمل تكاليف الصدامات المباشرة أو الانخراط في حرب ليست طرفاً في نزاعها ولم تُستشر فيها

برزت المملكة كخبيرة في ضبط النفس الإستراتيجي وجني ثمار إضعاف الخصوم والقوى الإقليمية المنافسة، إذ يسمح هذا النهج غير المباشر للمملكة بتعزيز مكانتها دون صراع مباشر، ويجعلها مركزاً دبلوماسياً واقتصادياً واستثمارياً محورياً في ظل نظام إقليمي متشرذم

تعمل الرياض بهدوء بدلاً من الضوضاء، لتعيد تشكيل النظام الإقليمي لصالحها، وبينما يستنزف الآخرون طاقاتهم تنهض المملكة لا بالغزو، بل بالصبر والدقة

مثّلث الحرب الجارية حالياً ما بين الأميركيين والإسرائيليين من جهة والإيرانيين وأذرعهم بالمنطقة في الجهة المقابلة والتي دخلت قبل أيام شهرها الثاني اختباراً ضخماً لدول المنطقة، نجحت خلاله المملكة العربية السعودية ومن خلفها بقية دول الخليج في إثبات قدرة كبرى على ضبط النفس وإدارة هذه الأزمة بكفاءة للخروج بأقل الخسائر حتى حينه، كما أثبتت استقلالية قرارها متجنبةً الانجرار لهذه الحرب والمشاركة فيها حفاظاً على مقدراتها وقبل ذلك سلامة مواطنيها والمقيمين بها، وذلك رغم استفزاز طرفي الحرب لدول الخليج، وتصريحات السيناتور ليندسي غراهام بضرورة دخول الدول الخليجية الحرب.

لقد تبنت المملكة منذ بداية الحرب قبل أكثر من شهر نهجًا مدروسًا طويل الأمد يرتكز على الصبر الإستراتيجي والتنافس الحذر، بهدف حماية رؤية 2030 وتعزيز مكانتها الإقليمية بهدوء دون تحمل تكاليف الصدامات المباشرة أو الانخراط في حرب ليست طرفاً في نزاعها ولم تُستشر فيها، محافظةً بذلك على اتفاق بكين بينها وبين إيران رغم الخروقات الإيرانية للاتفاق بمهاجمتها للمصالح والمنشآت السعودية، مع قدرة الرياض على الرد بالمثل كما أوضحه وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان وتأكيده بأن المملكة تحتفظ بحقها في اتخاذ إجراءات عسكرية رداً على الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت الرياض ومنشآت الطاقة.

وعلى الرغم من الحرب المشتعلة والتي تتعمق آثارها يوماً بعد آخر، تجنبت الرياض التصعيد المباشر مفضلةً الحفاظ على الاستقرار الضروري للتحول الاقتصادي وعلى توازن علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران عبر الدبلوماسية وضبط النفس، لتعظيم نفوذها في بيئة إقليمية غير مستقرة، حيث أكدت المملكة مراراً أنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي كمنطلق لأي عمليات عسكرية هجومية، وذلك لتجنيب المنطقة ويلات حرب شاملة قد تدمر البنية التحتية والاقتصادية لدول الخليج.

في الوقت نفسه وانطلاقاً من كونها الشقيقة الكبرى أعلنت المملكة عن إجراءات شاملة للوقوف مع جيرانها ودعم شقيقاتها من دول الخليج، إذ أكدت بوضوح أن أمن المنامة أو أبوظبي أو الكويت هو من أمن الرياض، كما سخرت إمكانات هيئة الطيران المدني لاستقبال رحلات شركات الطيران الخليجية واستخدام المطارات السعودية كمحطات تشغيلية أو نقاط دعم لوجستي واستضافة كافة الخليجيين العالقين في مطارات المملكة وتهيئة السبل لراحتهم وكذلك تشغيل رحلات بديلة لشركات طيران خليجية مع توفير خطوط برية وموانئ لنقل السلع والبضائع عبر الحدود السعودية لضمان تدفق الإمدادات للدول الخليجية وتأمين سلاسل الغذاء وضمان تدفق السلع الأساسية عبر الحدود البرية وتأمين المخزون الإستراتيجي المشترك.

وفي هذه الساحة المعقدة والمضطربة للجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، برزت المملكة كخبيرة في ضبط النفس الإستراتيجي وجني ثمار إضعاف الخصوم والقوى الإقليمية المنافسة، إذ يسمح هذا النهج غير المباشر للمملكة بتعزيز مكانتها دون صراع مباشر، ويجعلها مركزًا دبلوماسيًا واقتصاديًا واستثماريًا محوريًا في ظل نظام إقليمي متشرذم ونموذج ثيوقراطي ثوري في إيران يحمل تحديًا جوهريًا لجيرانها، فإيران لا تمثل مجرد تهديد عسكري بل تحدٍ أيديولوجي قد يعيد تشكيل الإطار المعياري للمنطقة بأكملها.

وحقيقةً لا أخفي إعجابي بكل ما اتخذته الرياض من خطوات منذ بدء هذه الأزمة بتجنب الحرب الشاملة وإدراك أن أي تصعيد سواء عبر استهداف منشآت النفط أو محطات تحلية المياه أو الممرات الملاحية سيدمر الاستقرار الذي تحتاجه المملكة لإنجاح رؤية 2030، هذه الرؤية الطموحة التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الهيدروكربونات ومعالجة معضلة النفط والجدول الزمني الضيق الذي قد يؤدي فيه التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة إلى تآكل أهمية النفط بوتيرة أسرع من قدرة الإصلاحات على تعويضه.

ورغم التحديات بما في ذلك إعادة تقييم بعض المشاريع الضخمة أمام تقلبات أسعار النفط، يظل تقدم رؤية 2030 ملموسًا، إذ تساهم الأنشطة غير النفطية بالمملكة اليوم بنسبة تتجاوز 50 % من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (حوالي 52-56 % حسب التقديرات الأخيرة)، مع نمو غير نفطي يتراوح بين 4-5 % سنويًا في الفترات الرئيسية. أما قطاع السياحة فقد حقق نجاحًا استثنائيًا، إذ تجاوزت المملكة هدفها الأولي المتمثل في 100 مليون زائر سنويًا قبل سنوات، مسجلة أكثر من 122 مليون زائر في عام 2025، ورفعت طموحاتها إلى 150 مليون زائر بحلول 2030، كما تتقدم المشاريع الكبرى مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية بخطى ثابتة، مع إعادة تركيز بعض المشاريع لإعطاء الأولوية للتكنولوجيا والتصنيع والسياحة المستدامة، وهنا تدرك المملكة أن عدم الاستقرار الإقليمي يهدد هذه المكاسب مباشرة، إذ قد يؤثر على صادرات الطاقة وثقة المستثمرين وتدفقات الاستثمار الأجنبي.

ومع التطورات الأخيرة وتصاعد التوترات كثفت السعودية جهودها الدبلوماسية غير الرسمية مع طهران، وأجرت تواصلًا يوميًا عبر السفراء، وسعت لخفض التصعيد لاحتواء التداعيات وحماية أراضيها، كما تؤكد تصريحاتها العلنية أن موارد المملكة لن تُستخدم في أي عدوان، وهو ما يتوافق مع اتفاق التهدئة الذي توسطت فيه الصين عام 2023 كأداة عملية لإدارة المخاطر وليس حلاً للعداء البنيوي.

أما مع إسرائيل فتوازن الرياض بين الفوائد المحتملة للتطبيع (أمنيًا وتكنولوجيًا) وبين الشرعية والتضامن العربي والقضية الفلسطينية، رافضةً أي سيناريو يسمح لهيمنة إسرائيلية غير مقيدة، وفي علاقتها مع الولايات المتحدة تعتمد على الضمانات الأمنية مع السعي لاستقلال أكبر، وتعميق الروابط مع الصين وروسيا، ودعوة واشنطن إلى نموذج “الراعي المثقل” الذي يشارك في التكاليف ويتسامح مع المفاوضات، وهذه الإستراتيجية المعروفة سياسياً بـ”الإستراتيجية الغامضة” التي تنتهجها الرياض هي إستراتيجية عملية بحتة، من خلالها يمكن انتزاع مكاسب متعددة على رأسها البرنامج النووي المدني والحصول على التكنولوجيا النووية الأميركية المتقدمة، فإرهاق الولايات المتحدة أو تجاوزها لحدودها قد يعزز موقف الرياض التفاوضي، بنهج لا يهدف إلى إثارة الفوضى بل إلى تجنب المخاطر غير المحسوبة، فالتصعيد غير المنضبط يشكل تهديدًا وجوديًا لرؤية 2030، وتُظهر الدبلوماسية السعودية تفضيل التوتر المُدار على المغامرات المتهورة.

ولكن ليس معنى ذلك أن المخاطر باتت معدومة، فهذه حرب غير مسبوقة بهذا الحجم ولم تنتهِ بعد وقد تكون مليئة بالمفاجآت، وبالتالي المخاطر موجودة بالتأكيد، وقد تطال التداعيات البنية التحتية بالمملكة والخليج أو تعطل الصادرات أو تقلل الاستثمارات الضرورية، ومع ذلك، تظل هذه المغامرة المحسوبة خيارًا منطقيًا لقوة صاعدة تسعى للصمود والتفوق عبر التريث المحكم واستغلال نفوذها في الطاقة وقدراتها المالية ومرونتها الدبلوماسية، والمملكة تعلم أنه ليس في هزيمة أي من طرفي الصراع الدائر حالياً خير مطلق للمنطقة، وتضع نصب عينيها محاذر التاريخ الذي علمنا مراراً كيف أن القوى العظمى ورأسمالية الكوارث ينتظرون الإشارة لتغذية هذه الصراعات وعينهم على سباق التسلح وإعادة الإعمار كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية وما تحملته حينها دول المنطقة من تكاليف باهظة، بل إن أخطر ما قد يهددنا اليوم ليس تغيير النظام في طهران، بل تفتت الدولة الإيرانية لو حدث، بما يقود إلى فوضى تؤدي لتدفق اللاجئين وانتشار الميليشيات واضطرابات حادة في أسواق الطاقة، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة.

لذا فدول الخليج بحاجة الاصطفاف خلف المملكة وتبني إستراتيجية شاملة تتمحور حول بناء قدرات مستقلة وتطوير شبكات استشعار وأنظمة قيادة وتحكم محلية قادرة على الصمود حتى في حال فقدان دعم الرادار الخارجي وكذلك تعزيز قدرة الاعتراض عبر توطين المخزونات الحيوية، والاستثمار في دفاعات متعددة الطبقات تجمع بين الأنظمة المتطورة والحلول ذات التكلفة المعقولة، مع التركيز على التدابير السلبية (التحصين، التشتيت، والخداع)، مع حماية الأولويات واعتبار أصول رؤية 2030 في المملكة ونظيراتها ببقية دول الخليج من النفط والغاز والطاقة المتجددة والمناطق الصناعية والنقل من أولويات الدفاع الأساسية.

وختاماً، لعلنا حالياً نشهد توديع عالمٍ واستقبال آخر جديد تشكله الأحداث الكبرى التي تجري من حولنا، وبالتأكيد سيكون هناك رابحون قليلون وخاسرون كثر، وفي ظل هذا المشهد المتقلب بالمنطقة والصراعات المرتبطة بإيران وسياسات التحوط الخليجية وضغوط التنويع الاقتصادي، تقف المملكة وبقية دول الخليج اليوم على مفترق طرق، بين مسار يؤدي إلى التصعيد واستنزاف الموارد وتآكل الرؤى التنموية لبلداننا وبين مسار آخر يتطلب الاستثمار في الابتكار الدفاعي القائم على الاكتفاء الذاتي وتعزيز التضامن الإقليمي ووضع مستقبل شعوبنا في المقدمة، وهو ما اختارته قياداتنا الحكيمة، وهنا تُبرز الإستراتيجية طويلة الأمد التي تنتهجها المملكة طموحها في تحويل نقاط الضعف الهيكلية إلى مزايا مستدامة، إذ تعمل الرياض بهدوء بدلاً من الضوضاء، لتعيد تشكيل النظام الإقليمي لصالحها، وبينما يستنزف الآخرون طاقاتهم تنهض المملكة لا بالغزو بل بالصبر والدقة. ومع انحسار عصر النفط وصعود التعددية القطبية، قد تثبت هذه الإستراتيجية أنها النموذج الأمثل للقوى المتوسطة التي تتنقل بين منافسات القوى العظمى لتنجو من العاصفة وتخرج منها أقوى وتكتسب مكانة مركزية في الشرق الأوسط الجديد وتصبح المركز الذي لا غنى عنه لأي ترتيبات أمنية أو سياسية مستقبلية في الإقليم.

د. تركي فيصل الرشيد
أستاذ زائر في جامعة أريزونا، توسان، الولايات المتحدة، ومستشار في الجامعة الأميركية بيروت. مؤلف كتاب تحول المملكة العربية السعودية: عدم اليقين والاستدامة (رودليج 2026).

Exit mobile version