التحركات الأميركية نحو إريتريا تكشف سباق النفوذ في البحر الأحمر وتعيد رسم موقع السودان في معادلة إقليمية مضطربة
في لحظة تتقاطع فيها الحروب الإقليمية مع إعادة تشكيل ممرات التجارة العالمية، تبدو التحركات الأميركية الأخيرة تجاه إريتريا جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تثبيت النفوذ في البحر الأحمر، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن تؤدي التوترات المرتبطة بحرب إيران إلى زعزعة واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. وتأتي هذه الخطوات بعد خمس سنوات من العقوبات على أسمرة، لتشير إلى أن واشنطن تعيد تقييم موقعها في منطقة تتغير فيها موازين القوة بسرعة، بينما تتشابك ملفات السودان وإثيوبيا واليمن في شبكة واحدة من الحسابات الأمنية.
وتكشف التقارير الأميركية عن أن واشنطن تدرس رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا منذ عام 2021، في خطوة يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، الذي بدأ سلسلة لقاءات مع مسؤولين إقليميين، من بينهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. ويبدو أن هذا الانفتاح يعكس إدراكًا متزايدًا بأن إريتريا، بساحل يمتد لأكثر من 700 ميل على البحر الأحمر، لم تعد دولة هامشية في الحسابات الأميركية، بل نقطة ارتكاز محتملة في بنية أمنية جديدة تتشكل تحت ضغط الحرب في مضيق هرمز وتهديدات الحوثيين في باب المندب.
وترى السفيرة منى عمر، مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية سابقًا، أن الموقع الاستراتيجي لإريتريا هو العامل الحاسم في هذا التحول، خاصة مع تزايد الحاجة إلى حماية القطع البحرية الأميركية المنتشرة في المنطقة. وتضيف أن البحر الأحمر، الذي يضم قواعد عسكرية متعددة، أصبح ساحة تنافس مفتوح بين القوى الكبرى، ما يجعل أي فراغ استراتيجي قابلًا للاستغلال من أطراف أخرى.
وتتفق الخبيرة الأميركية إيرينا تسوكرمان مع هذا التقييم، مشيرة إلى أن عسكرة طرق التجارة وتنامي الطموحات الروسية على الساحل الشرقي لأفريقيا جعلا من موانئ إريتريا “أصولًا استراتيجية لا يمكن تجاهلها”. وتقول إن واشنطن تجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم خياراتها، خاصة في ظل محدودية البدائل، إذ تعاني جيبوتي — الجارة الأقرب — من وجود عسكري أجنبي كثيف، بما في ذلك القواعد الصينية.
ويضيف الخبير الأفريقي علي محمود كلني أن التحرك الأميركي يعكس تحولًا لافتًا في السياسة تجاه القرن الأفريقي، مدفوعًا بتطورات حرب إيران واحتمالات التصعيد في باب المندب، إلى جانب رغبة واشنطن في الحد من نفوذ روسيا والصين. ويشير إلى أن المقاربة الأميركية الجديدة تبدو أكثر براغماتية، إذ تحاول الموازنة بين القيم السياسية والمصالح الأمنية، رغم أن سجل إريتريا الحقوقي قد يبطئ عملية رفع العقوبات.
وتلعب مصر دورًا محوريًا في هذا التقارب، وفق ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”، التي أشارت إلى أن القاهرة تسهّل الحوار بين واشنطن وأسمرة. ويبدو أن هذا الدور نابع من حسابات مصرية تتعلق بأمن البحر الأحمر وتوازنات القرن الأفريقي، فضلًا عن تحالفات تربطها بإريتريا ومقديشو، ورغبتها في الحد من النفوذ الإثيوبي في المنطقة.
وتشير التقارير إلى أن مسعد بولس عقد لقاءات غير معلنة مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة، سبقتها اجتماعات مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح محمد، في إطار مراجعة أوسع لسياسة واشنطن تجاه أسمرة. وتأتي هذه اللقاءات بعد سنوات من العقوبات الأميركية التي استهدفت كيانات إريترية بسبب دورها في نزاع تيغراي.
الانتباهة
