في مشهد يعكس التوتر بين الحاجة الإنسانية والواقع المادي المنهك، تتزايد أعداد العائدين إلى الخرطوم رغم أن المدينة لم تستعد بعد قدرتها على استقبالهم، إذ يعود الناس بدافع استعادة ما تبقى من حياتهم، بينما تظل الخدمات الأساسية في حالة انهيار تجعل العودة فعلًا محفوفًا بالمشقة أكثر منه بداية جديدة. ويكشف هذا التناقض عن مفارقة قاسية يعيشها ملايين السودانيين: الرغبة في العودة إلى الوطن أقوى من الظروف التي تجعل هذا الوطن غير قادر على احتضانهم.
وتتجلى هذه المفارقة في مشاهد يومية تتكرر على أطراف العاصمة وفي أحيائها الداخلية، حيث تحمل العائلات ما تبقى من ممتلكاتها إلى منازل نصف مهدمة، وشوارع بلا خدمات، وأحياء فقدت الحد الأدنى من الاستقرار. وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 4 ملايين شخص عادوا إلى ديارهم من أصل 11.5 مليون نزحوا منذ اندلاع الحرب قبل ثلاث سنوات، وهي عودة ارتبطت باستعادة الجيش السيطرة على ولايات سنار والجزيرة والخرطوم، لكنها جاءت في ظل بنية تحتية لم تُرمم بعد، ما يجعل الاستقرار هشًا وقابلًا للانهيار.
ويصف أحمد عبد المطلب وفق مجلة افق جديد، أحد العائدين، هذا الواقع بوضوح حين يقول: “رجعنا على أمل نلقى وضع أحسن لكن لقينا البيت متضرر، وما في كهرباء ولا مياه مستقرة”. وتكشف شهادته، مثل شهادات كثيرين، أن العودة لم تكن نتيجة تحسن فعلي في الخدمات، بل نتيجة ضغوط اقتصادية واجتماعية دفعت الناس إلى اتخاذ قرار صعب، رغم معرفتهم بأن المدينة لم تعد كما كانت.
وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن تزايد أعداد العائدين يفرض ضغطًا إضافيًا على بنية تحتية تضررت بشدة جراء القتال، إذ تعاني شبكات المياه والكهرباء والمرافق الصحية من أعطال واسعة، بينما تفتقر المراكز الصحية إلى الكوادر والإمدادات. وفي كثير من الأحياء، اضطر السكان إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، أو مشاركة المنازل المتضررة بين عدة أسر، في محاولة للتكيف مع واقع لا يوفر لهم الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
وتقول إحدى الأمهات وفق مجلة افق جديد: “أكبر معاناة لينا هي الماء، بنمشي مسافات عشان نجيبها، والأطفال تعبوا من الوضع”. وتكشف شهادتها عن عبء يومي يثقل كاهل النساء والأطفال، الذين يتحملون الجزء الأكبر من أعباء الحياة في ظل غياب الخدمات.
ولا تقتصر الضغوط على الخرطوم وحدها، إذ تشير المنظمة إلى أن العائدين إلى الجزيرة يواجهون أنظمة ومعدات زراعية وصناعية متضررة، ما يهدد سبل كسب العيش وإنتاج الغذاء في لحظة حرجة من التعافي. وتضيف أن ولايات شرق وشمال السودان أصبحت مناطق استقبال رئيسية للنازحين، رغم أنها تعاني أصلًا من تحديات اقتصادية ومناخية، ما يجعل قدرتها على الاستيعاب محدودة.
وتوضح المنظمة أن هذه التحركات السكانية — بين النزوح والعبور والعودة — تعيد تشكيل المجتمعات المحلية، وتفرض ضغوطًا على الخدمات والموارد، وتختبر قدرة المجتمعات المستضيفة على الحفاظ على تماسكها الاجتماعي. وتقول سونغ آه لي، نائبة المدير العام للإدارة والإصلاح في المنظمة، إن العودة “يفترض أن تمثل بداية التعافي، لكنها في كثير من الأحيان تعني مواجهة خدمات مدمرة، ومنازل متضررة، وحالة جديدة من عدم اليقين”. وتضيف أن الناس يحتاجون إلى “الوصول إلى الخدمات الأساسية وسكن آمن ووسائل لاستعادة سبل عيشهم”، محذرة من أن غياب هذه المقومات يجعل العودة غير مستدامة.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو المرافق الصحية عاجزة عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، إذ تعمل بعض المراكز جزئيًا بينما خرجت أخرى من الخدمة تمامًا. ويقول خالد عابدين: “لو في حالة طارئة، بتكون مشكلة كبيرة، أقرب مركز صحي ممكن ما يكون فيه علاج أو حتى طبيب”. وتكشف شهادته عن هشاشة مضاعفة يعيشها العائدون، إذ لا يواجهون فقط نقص الخدمات، بل أيضًا غياب منظومة قادرة على التعامل مع الطوارئ.
ورغم هذه التحديات، يحاول السكان التكيف عبر مبادرات مجتمعية محدودة لتقاسم الموارد وتنظيم الحصول على المياه، لكنها تبقى دون مستوى الحاجة. ويقول شاب عاد مؤخرًا: “نحاول نتعاون مع الجيران، لكن الضغط كبير، والخدمات ما كفاية لكل الناس”. ويضيف: “على الرغم من قسوة الظروف يظل قرار العودة بالنسبة لكثيرين خيارًا لا بديل عنه. رجوعنا كان ضروري مهما كان الوضع صعب، دي بلدنا ولازم نحاول نعيش فيها”.
ومع ذلك، فإن استمرار تدهور الخدمات يهدد بتحويل هذا الأمل إلى معاناة طويلة الأمد، خاصة في ظل غياب حلول سريعة لإعادة تأهيل البنية التحتية. وتبقى عودة المواطنين إلى الخرطوم تجسيدًا لمفارقة مؤلمة: مدينة تستقبل أهلها لكنها غير مهيأة لاحتضانهم، فيما تتشكل يوميات جديدة عنوانها الصبر والتكيف، بينما تظل الحاجة ملحة لتدخلات عاجلة تعيد للمدينة مقومات الحياة الأساسية وتحفظ كرامة من اختاروا العودة رغم كل شيء.
الانتباهة
