في بلد أنهكته الحرب وأثقلت كاهله الأزمات الإنسانية، جاء القصف الذي استهدف مدينة كوستي ليكشف مرة أخرى كيف تتسلل الحرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، وكيف تتحول المرافق المدنية — التي يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا — إلى ساحات مفتوحة للعنف. فالهجوم الذي أودى بحياة خمسة أشخاص وأصاب تسعة آخرين لم يكن مجرد حادثة معزولة، بل جزءًا من نمط متصاعد يستهدف البنية التحتية الأساسية في مناطق لم تكن يومًا في قلب المواجهات العسكرية.
وتقع كوستي، المدينة التجارية الحيوية في ولاية النيل الأبيض، على خط تماس غير معلن بين الحرب والنجاة. فخلال الأيام الماضية، شهدت المدينة وسواها — من ربك إلى كنانة — سلسلة ضربات بطائرات مسيّرة طالت محطات وقود ومرافق اقتصادية، بينها مصنع للسكر، ما أدى إلى أضرار واسعة في البنية التحتية وخلق حالة من الارتباك في الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان. وفي بلد يعاني من انقطاع الكهرباء ونقص الوقود وتدهور الخدمات الصحية، فإن استهداف هذه المرافق يضاعف هشاشة الحياة اليومية ويقرب المدنيين خطوة إضافية نحو حافة الانهيار.
وتقول مصادر طبية في كوستي وفق مجلة افق جديد إن “خمسة مدنيين قتلوا وأصيب تسعة آخرون جراء استهداف مباشر لمحطتي وقود داخل المدينة”، مشيرة إلى أن بعض المصابين في حالة حرجة وسط إمكانيات طبية محدودة. ويعكس هذا المشهد — كما يصفه العاملون في القطاع الصحي — حجم الضغط الذي تتعرض له المستشفيات، حيث تتزايد الإصابات في وقت تتراجع فيه الإمدادات الطبية وتتقلص القدرة على الاستجابة.
وتشير شهادات السكان إلى لحظات من الذعر والفوضى رافقت الهجوم. يقول عبد اللطيف أحمد: “كنا في طابور الوقود عندما وقع الانفجار. لم نعرف إلى أين نركض أو كيف نساعد المصابين”. بينما يروي أمير الهادي: “كنت أريد تعبئة جالون بنزين للمولد. فجأة كل شيء انقلب رأسًا على عقب. فقدنا الإحساس بالأمان تمامًا”. وتكشف هذه الشهادات عن واقع جديد يتشكل في المدينة، حيث لم يعد الحصول على الوقود أو التنقل أو حتى فتح المتاجر أمرًا عاديًا، بل مخاطرة يومية.
وفي ظل هذا التصعيد، تتبادل الأطراف العسكرية الاتهامات بشأن المسؤولية عن الهجمات. وتشير مصادر عسكرية إلى أن قوات الدعم السريع تستخدم طائرات مسيّرة لاستهداف مواقع داخل ولايات النيل الأبيض وكردفان والخرطوم، بينما تتحدث تصريحات منسوبة لمسؤولين عسكريين عن “أدلة” على تورط أطراف خارجية في دعم هذه العمليات — وهي اتهامات لم يتم التحقق منها بشكل مستقل، ولم يصدر بشأنها رد رسمي من الدول المشار إليها.
لكن بعيدًا عن تبادل الاتهامات، يبقى الأثر الأكبر لهذا التصعيد على المدنيين. فاستهداف محطات الوقود لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد ليعطل حركة النقل، ويؤثر على الإمدادات الغذائية، ويزيد من صعوبة تشغيل المولدات الكهربائية التي يعتمد عليها السكان في ظل انقطاع التيار. ويقول عامل صحي في كوستي: “الوضع يقترب من حدود الانهيار إذا استمرت الهجمات بهذا الشكل”.
وتحذر جهات طبية وناشطون إنسانيون وفق مجلة افق جديد من أن استهداف المرافق المدنية يشكل انتهاكًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض حماية المدنيين والبنية التحتية غير العسكرية أثناء النزاعات المسلحة. ويرى مختصون أن استمرار هذه الهجمات قد يؤدي إلى تعقيد عمل المنظمات الإنسانية، خاصة في ظل تزايد التقارير عن صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.
وفي الأسواق القريبة من موقع القصف، تبدو مظاهر الحياة شبه مشلولة. بعض المتاجر أغلقت أبوابها، فيما يفضل آخرون تقليص ساعات العمل خوفًا من ضربات جديدة. ويقول أحد التجار: “نفتح لساعات قليلة فقط. الزبائن خائفون، ونحن أيضًا لا نعرف متى يمكن أن يحدث قصف جديد”.
ومع استمرار الهجمات وتدهور الخدمات الأساسية، تتعمق الأزمة الإنسانية في المنطقة، بينما يبقى المدنيون هم الأكثر تضررًا. وفي غياب أي مؤشرات على تهدئة قريبة، يظل السؤال الذي يطرحه سكان كوستي — كما يطرحه ملايين السودانيين — سؤالًا بسيطًا لكنه ثقيل الوطأة: إلى متى ستظل الحرب تتسلل إلى تفاصيل حياتهم اليومية؟
الانتباهة
