تحالفات متناقضة في معسكر الجيش… تصريحات البرهان حول المنشقين تفتح باب الأسئلة

في لحظة تتقاطع فيها السياسة بالحرب وتتشابك فيها التحالفات مع حسابات البقاء، جاءت تصريحات عبد الفتاح البرهان بشأن إمكانية محاسبة أو إعفاء المنضمين من قوات الدعم السريع لتكشف عن تصدعات عميقة داخل السردية التي تبناها الجيش منذ اندلاع النزاع. فالكلمات التي أطلقها القائد العام لم تكن مجرد موقف عابر، بل إشارة إلى ارتباك متزايد في خطاب السلطة العسكرية، التي تجد نفسها اليوم مضطرة إلى التوفيق بين ضرورات الحرب ومتطلبات الشرعية السياسية.
وتزامنت تصريحات البرهان مع استقباله النور قبة، أحد أبرز المنشقين عن الدعم السريع، في مشهد أثار موجة واسعة من الجدل، خاصة أن قبة — مثل آخرين — يواجه اتهامات ثقيلة بارتكاب انتهاكات خلال حصار الفاشر. وفي بلد يعيش حربًا مفتوحة منذ أبريل 2023، تبدو هذه التحركات جزءًا من إعادة تشكيل خريطة الولاءات داخل معسكر الجيش، أكثر من كونها خطوات نحو العدالة أو المساءلة.
ويرى مراقبون أن تصريحات البرهان تعكس حجم التناقضات داخل التحالف العسكري‑السياسي الذي يدير الحرب من بورتسودان، حيث تتقدم اعتبارات الحفاظ على تماسك المعسكر على أي التزام حقيقي بمحاسبة المتورطين في الانتهاكات. ويشير كتّاب سودانيون إلى أن الخطاب الذي صاغته السلطة منذ بداية الحرب — والقائم على تصوير الدعم السريع كقوة لا يمكن التفاهم معها — تلقى ضربة قوية بعد استقبال شخصيات كانت حتى وقت قريب جزءًا من تلك القوة.
وخلال مخاطبته مصلين في مسجد الدروشاب، قال البرهان إن “حضن الوطن مفتوح لكل من يضع السلاح”، مضيفًا أن القرار النهائي يعود للشعب. لكن هذا الخطاب، الذي يبدو تصالحيًا في ظاهره، يواجه تساؤلات حول مدى واقعيته في ظل غياب مؤسسات عدالة مستقلة، كما يشير الصحفي عثمان فضل الله، الذي يرى أن النيابة والقضاء يعملان داخل “بيئة مسيّسة تخضع لنفوذ السلطة الأمنية”، ما يجعل الحديث عن محاسبة فعلية أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى إجراء قانوني.
ويضيف فضل الله أن تصريحات البرهان جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بعد حالة من الغضب داخل التيارات الداعمة للحرب، خاصة عقب عودة بعض قادة الدعم السريع إلى الواجهة. ويصف الخطاب بأنه محاولة لامتصاص هذا الغضب وإعادة ضبط التوازن داخل معسكر الجيش، دون أن يترتب عليه تغيير حقيقي في مسار العدالة.
وجاءت هذه التصريحات بعد استقبال البرهان للنور قبة في دنقلا، حيث أظهرت الصور الرسمية مصافحة حارة بين الرجلين، رغم الاتهامات التي تلاحق قبة، بما في ذلك تسريبات صوتية نُسبت إليه تتضمن أوامر بقصف معسكر زمزم للنازحين. وتقول مصادر متعددة إن قبة كان يعمل لصالح الجيش قبل انشقاقه رسميًا، وإن بعض الانتهاكات التي ارتكبها كانت تهدف إلى توريط الدعم السريع.
ولا يقتصر الجدل على قبة وحده. فأبو عاقلة كيكل، قائد “قوات درع السودان”، الذي انضم إلى الجيش بعد انشقاقه عن الدعم السريع، فرض عليه الاتحاد الأوروبي عقوبات في يوليو 2025 بسبب اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة في ولاية الجزيرة، شملت عمليات قتل ونهب ضد سكان “الكنابي”، وهي تجمعات مهمشة لطالما عانت من التمييز والإقصاء.
وتشير تقارير حقوقية إلى تورط قوات كيكل وكتيبة البراء — الجناح المسلح لتنظيم الإخوان — في عمليات تطهير عرقي وقتل على أساس الهوية، إضافة إلى إلقاء أشخاص أحياء في النهر وتنفيذ إعدامات ميدانية. ورغم ذلك، يجد هؤلاء اليوم طريقًا إلى معسكر الجيش، في مشهد يعكس حجم التناقض بين خطاب المحاسبة والواقع السياسي.
وفي بلد يعيش حربًا أودت بحياة عشرات الآلاف، ودفع أكثر من 4.5 مليون شخص إلى اللجوء خارج الحدود، ونزوح نحو 13 مليونًا داخل البلاد، تبدو تصريحات البرهان جزءًا من محاولة لإعادة صياغة خطاب الحرب، أكثر من كونها خطوة نحو العدالة. فالسردية التي بُنيت على شيطنة الدعم السريع تواجه اليوم اختبارًا صعبًا، مع دخول شخصيات متهمة بانتهاكات واسعة إلى صفوف الجيش.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال الأهم: هل تمثل تصريحات البرهان بداية تحول في خطاب السلطة، أم أنها مجرد محاولة لاحتواء التناقضات داخل معسكره السياسي والعسكري؟
وفي كلتا الحالتين، يظل المدنيون — الذين دفعوا الثمن الأكبر للحرب — أبعد ما يكونون عن أي مسار حقيقي للعدالة.

الانتباهة

Exit mobile version