في السنوات الأخيرة، شهدت مشروبات الطاقة انتشارًا واسعاً بين فئات مختلفة من المجتمع، خاصةً بين الشباب والطلاب، باعتبارها وسيلة سريعة لتعزيز النشاط والتركيز.
إلا أن هذا الانتشار الواسع صاحبه تزايد ملحوظ في التحذيرات الطبية والدراسات العلمية التي تربط الإفراط في تناول هذه المشروبات بمضاعفات صحية خطيرة قد تطال القلب والدماغ والكلى والجهاز العصبي والنفسي، ورغم أن شركات التصنيع تعتمد على التسويق المكثف وربط هذه المنتجات بالقوة والنشاط والإنجاز، لكن الأبحاث العلمية تُشير إلى أن التأثير الحقيقي يعود غالبًا إلى الجرعات العالية من الكافيين والسكر، والمنبهات الكيميائية، وليس إلى “طاقة حقيقية” كما يُعتقد. وقد أكدت جهات صحية عالمية أن بعض مشروبات الطاقة تحتوي على نسب مرتفعة جدًا من الكافيين والمنبهات الأخرى قد تتجاوز الحدود الآمنة في بعض الأحيان خصوصًا لدى المراهقين ومرضى القلب والضغط أو السكري.وللتعريف بمشروبات الطاقة فهي مشروبات تحتوي عادةً على: الكافيين والسكر بجرعات مرتفعة، وأيضاً على “التورين”، و”الجوارانا”، و”الجنسنج”، وفيتامينB ، ومنبهات وإضافات كيميائية مختلفة، هذا المزيج المعقد يؤثر سلباً على صحة الأعضاء البدنية لأنها تُرهق الكلى بشكل مباشر أو غير مباشر، نظراً لأن الكافيين يعمل كمدر للبول، ما يؤدي إلى فقدان السوائل وزيادة خطر الجفاف وتكوين الحصوات، مما يُضعف قدرتها على تنقية الدم، كما يحدث خلل في توازن الأملاح والمعادن، مما يؤدي إلى اضطراب في وظائف الكلى قد ينتهي بالفشل الكلوي، نتيجة الجفاف واضطراب الأملاح.ولا يتوقف تأثير مشروبات الطاقة على الكلى فحسب، بل يمتد ليشمل القلب والأوعية الدموية في صورة تسارع ضربات القلب، الرجفان الأذيني، احتشاء عضلة القلب، الإغماء، ارتفاع ضغط الدم، الجلطات والسكتات القلبية، كما يمتد تأثير هذه المشروبات على الدماغ والجهاز العصبي في صورة القلق والتوتر، العصبي، الرعشة، التهيج، اضطرابات النوم، الصداع النصفي، ضعف التركيز والذاكرة واضطراب المزاج، ونظراً لاحتواء هذه المشروبات على كميات كبيرة من السكر، فإن هذا يؤدي إلى زيادة خطر السكري من النوع الثاني، ومقاومة الأنسولين، وزيادة الوزن، وارتفاع الكوليسترول وتراكم الدهون الحشوية، وهشاشة العظام، والتأثير على صحة الاسنان. كما تؤثر هذه المشروبات على الجهاز الهضمي في صورة تقرحات والتهابات في جدار المعدة والمريء والاثني عشر، وارتجاع بالمريء.وتحذر الجهات الصحية من خلط مشروبات الطاقة بالكحول، حيث أكدت التقارير الصحية أن هذا الخليط يرتبط بارتفاع نسب الحوادث، السلوك العدواني، التسمم الكحولي، اضطرابات القلب، كما أن التدخين مع مشروبات الطاقة يضاعف تأثيرها على القلب والأوعية الدموية. وقد لوحظ أن الخطر لا يقتصر على فئة معينة، لكنه يكون أعلى لدى مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم ومرضى الكلى والمراهقين وصغار السن، وأيضاً الحوامل: لزيادة خطر الإجهاض او زيادة نسبة حدوث سكر الحمل او ارتفاع ضغط الدم لديهم. وتتفاوت درجة خطورة هذه المشروبات حسب الجرعات العالية من الكافيين، وكثرة الاستهلاك، وخلطها بمنبهات أخرى، والاستخدام اليومي المزمن.ويشير بعض المختصين إلى أن الاعتدال قد يقلل المخاطر لدى البالغين الأصحاء، إلا أن الإفراط أو الاستخدام غير الأمثل قد يحولها إلى خطر صحي داهم، ويُمكن الاستغناء عن مشروبات الطاقة حيث يوجد لها بدائل صحية لزيادة وتحسين النشاط والتركيز، وهذه البدائل تتمثل في: النوم الكافي، وشرب الماء الكافي، والتغذية المتوازنة، والرياضة المنتظمة، وشُرب القهوة باعتدال، والشاي الأخضر، وتقليل السهر، وفي نهاية المطاف، فقد أكدت تقارير طبية أن تحسين نمط الحياة يمنح طاقة أكثر استقرارًا وأمانًا من الاعتماد على المنبهات الصناعية بمشروبات الطاقة التي تبدو حلاً سريعًا للإجهاد، لكنها في الواقع ليست حلا.الوقاية من تناول هذه المشروبات تبدأ بالوعي، والوعي يبدأ بقرار بسيط سواء بالتقليل أو الامتناع عنها.
د. رانيا جابر ابراهيم – جريدة المدينة
*المدير الطبي المكلف بمركز هشام عطار لغسيل الكلى بجمعية البر بجدة
