مبادرة خلف الكواليس… كرتي يتحرك عبر واشنطن وتل أبيب لبحث تسوية الحرب في السودان

تحركات علي كرتي عبر لوبيات أمريكية وقنوات إسرائيلية… محاولة لإعادة تشكيل مسار الحرب وإعادة تأهيل الحركة الإسلامية
في لحظة تتقاطع فيها حسابات الحرب السودانية مع شبكات النفوذ الإقليمي والدولي، تكشف التحركات المنسوبة إلى الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، علي أحمد كرتي، عن محاولة لإعادة صياغة موقع الحركة داخل المشهد السياسي، ليس فقط عبر ساحات القتال، بل من خلال قنوات ضغط تمتد من واشنطن إلى تل أبيب. فالمعلومات التي تتحدث عن اتصالات مع لوبيات أمريكية وشخصيات إسرائيلية مؤثرة تشير إلى سعي واضح لطرح تسوية سياسية تشمل ملفات المحكمة الجنائية الدولية، مقابل إعادة تأهيل الحركة الإسلامية دوليًا، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات بشأن دورها في إشعال الصراع.
وتقول مصادر سياسية وفق قناة DW الالمانية إن كرتي أجرى خلال الأشهر الماضية سلسلة اتصالات خارجية هدفت إلى فتح قنوات تواصل مع مسؤولين أمريكيين وشخصيات مرتبطة بدوائر صنع القرار في إسرائيل. وتشير هذه المصادر إلى أن التحركات تضمنت الاستعانة بشركات ضغط وشخصيات فاعلة في مجال العلاقات العامة في واشنطن، في محاولة لتسويق رؤية سياسية تقوم على استعداد “التيار الإسلامي” لعدم عرقلة أي تسوية محتملة لإنهاء الحرب، بما في ذلك التعامل مع ملفات المحكمة الجنائية الدولية، مقابل رفع القيود المفروضة على قيادات الحركة وإعادة فتح قنوات التواصل مع الغرب.
وتضيف المصادر وفق قناة DW الالمانية أن هذه الجهود شملت محاولات لترتيب لقاءات مع شخصيات إسرائيلية ذات تأثير، بهدف تسويق المبادرة داخل الإدارة الأمريكية، مستفيدة من نفوذ مجموعات ضغط تنشط في ملفات إقليمية حساسة. ويعكس هذا المسار إدراكًا بأن واشنطن وتل أبيب أصبحتا لاعبين مؤثرين في تحديد مستقبل السودان، خاصة بعد تصاعد المخاوف من النفوذ الإيراني داخل البلاد.
وفي هذا السياق، برزت تصريحات رجل الأعمال والضابط السابق في الاستخبارات الإسرائيلية، آري بن ميناشي، الذي قال إنه التقى علي كرتي في مناسبات سابقة وساعد في ترتيب اجتماعات له مع مسؤولين أمريكيين، من بينها لقاء مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري في أديس أبابا. وأوضح بن ميناشي أن تلك اللقاءات جرت خلال فترة شهدت خلافات داخل نظام الرئيس الأسبق عمر البشير، وأن النقاشات تناولت مستقبل الحكم في السودان. ورغم حساسية هذه التصريحات، لم تصدر الحركة الإسلامية السودانية أي تعليق رسمي حتى الآن.
وفي المقابل، تتهم قوى سياسية وفق قناة DW الالمانية أخرى الحركة الإسلامية بالسعي لاستغلال الحرب لاستعادة نفوذها. فقد قال تحالف “السودان التأسيسي” الذي تقوده قوات الدعم السريع إن الحركة الإسلامية “تسيطر على القرارين السياسي والعسكري داخل سلطة بورتسودان”، معتبرًا أن استمرار هذا النفوذ يعني “غياب أي مستقبل آمن للبلاد والإقليم”. ويعكس هذا الاتهام رؤية واسعة الانتشار بين خصوم الحركة، مفادها أن الحرب الحالية ليست فقط صراعًا على السلطة، بل أيضًا محاولة لإعادة إنتاج منظومة سياسية أُطيح بها في 2019.
وتأتي هذه الاتهامات في ظل ضغوط دولية متزايدة على الحركة الإسلامية، خاصة بعد أن صنّفت الولايات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمة إرهابية في مارس الماضي، متهمة إياها باستخدام العنف ضد المدنيين وتجنيد آلاف المقاتلين بدعم من إيران. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن الجماعة دفعت بأكثر من 20 ألف مقاتل إلى الحرب، تلقى عدد منهم تدريبًا ودعمًا من الحرس الثوري الإيراني، في خطوة تعكس رغبة واشنطن في كبح النفوذ الإسلامي داخل المؤسسة العسكرية السودانية.
وتتزامن هذه التطورات مع حرب مدمرة دخلت عامها الرابع، بعد اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. وتصف الأمم المتحدة الصراع بأنه “أكبر أزمة إنسانية في العالم”، مع نزوح نحو 12 مليون شخص ومعاناة نصف السكان من صعوبات حادة في الحصول على الغذاء. وفي ظل هذا الانهيار الإنساني، تبدو التحركات السياسية التي تجري خلف الكواليس جزءًا من معركة أوسع حول مستقبل السلطة في السودان، أكثر منها محاولة لإنهاء الحرب.
وتكشف هذه التحركات عن مفارقة لافتة: فبينما تتهم الحركة الإسلامية بأنها أحد الأطراف التي ساهمت في إشعال الصراع، تسعى في الوقت ذاته إلى تقديم نفسها كجزء من الحل، مستفيدة من شبكات نفوذ دولية تمتد إلى واشنطن وتل أبيب. وفي المقابل، ترى قوى أخرى أن أي تسوية تشمل الحركة الإسلامية ستعيد البلاد إلى دائرة النفوذ القديم، وتُبقي جذور الأزمة السياسية دون معالجة.
وفي نهاية المطاف، تبدو هذه التحركات مؤشرًا على أن مستقبل السودان لن يُحسم فقط في ساحات القتال، بل أيضًا في مكاتب الضغط السياسي وغرف التفاوض الدولية، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية مع حسابات الفاعلين المحليين. وبينما تستمر الحرب في تمزيق البلاد، يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل يمكن لأي تسوية تُطرح عبر هذه القنوات أن تعالج جذور الأزمة، أم أنها ستعيد إنتاج توازنات هشة تُبقي السودان في دائرة الصراع؟

الانتباهة

Exit mobile version