مصر مؤهلة لتصبح مركزًا عالميًا لسياحة مراقبة الطيور

بين الجزر النيلية والمساحات الخضراء الممتدة؛ والكثبان الرملية الصفراء؛ تتشكل لوحة فنية بديعة فى محافظة أسوان، نشأ فى أحضانها إسماعيل خليفة؛ مراقب الطيور ومصور حياة برية من أسوان ومؤسس مبادرة «Aswan Birdwatching»، فتن بهذه الطبيعة الخلابة، وحول شغفه من مجرد مصور هاوٍ لجمالها إلى مصور للحياة البرية؛ ومراقب للطيور يسعى لنشر الوعى المجتمعى بأهمية الطيور ودورها فى الحفاظ على التوازن البيئى، وتعزيز الوعى بأهمية التنوع البيولوجى والحفاظ عليه فى محافظة أسوان.

حاورت «روزاليوسف» إسماعيل خليفة؛ عن مهنة مراقبة الطيور بين العلم والهواية، أنواع الطيور فى أسوان، وخطورة الصيد الجائر وكيف تصبح مصر مقصدًا للسياحة البيئية وخاصة مراقبة الطيور.

فى البداية حدثنا كيف بدأ شغفك بعالم الطيور؟

– بدأت منذ الصغر، كطفل نشأ فى بيئة قروية بجنوب مصر، كانت الطيور حوله فى كل مكان سواء من العصافير أو اليمام أو الهدهد، الطبيعة بشكل عام كانت مُلهمتى فى سنوات طفولتى حتى الكبر وهى التى دفعتنى لتأملها وملاحظتها باستمرار، وعندما تخرجت فى كلية الألسن؛ وسافرت للعمل فى قطاع السياحة والفنادق بجنوب سيناء، تمكنت آنذاك من شراء كاميرا عام 2009، والتقطت بها كل ما تقع عليه عينى من جمال الطبيعة الساحرة فى سيناء؛ والطيور المختلفة؛ الجبال البديعة من خلال رحلاتى مع السائحين فى سانت كاترين ووادى فيران، ومع انطلاق ثورة يناير 2011؛ وتأثر قطاع السياحة عدت لأسوان من جديد.

كيف كانت العودة بمثابة بداية جديدة؟

– عدت بروح إعادة استكشاف للمدينة بمنظور جديد، وأسوان تمنحك هذه الفرصة الكبيرة، تتمتع بنيل عظيم مليء بالجزر ومناظر طبيعية خلابة، وحديقة نباتات تضم زهورًا جميلة من مختلف أنحاء العالم، وطيورًا بتفاصيل وألوان وأشكال مختلف، واستمرت رحلتى وشغفى فى تصوير وتوثيق كل تفاصيل هذا الجمال حتى عام 2019؛ عندما تعرفت بالصدفة على جروب بالفيسبوك يسمى «Birding Egypt»، يضم كل خبراء الطيور فى مصر، ومن هنا اكتشفت هذا العالم عن قرب، وقمت بإضافة كل أرشيفى من الصور التى تخص الطيور على هذا الجروب، لتفاجأنى تعليقات المتخصصين بأن هذا الطائر مقيم أو مهاجر واسمه «كذا»، ومنذ هذه اللحظة فُتنت بهذا العالم وتفاصيله و«ندهتنى النداهة» كما يقال؛ وأصبح لدى شعور بالمنافسة والتحدى لإضافة صور جديدة للطيور فى قائمتى داخل الجروب.

كيف تحولت هذه الهواية لاحتراف؟

– بدأت رحلتى الاحترافية كمراقب عندما أنشأت حساب على موقع «e Bird»، هو منصة عالمية لرصد الطيور وتوثيق مشاهداتها لتستخدم فى العلوم والحفاظ على البيئة، وأصبح لدى ما يعرف القائمة الشخصية «personal list»؛ للطيور لتبدأ من خلالها رحلتى فى توثيق كل طائر شاهدته فى حياتي.

ما المهام التى يقوم بها مراقب الطيور لتصبح مشاهداته مُعتمدة؟

– من خلال قائمة المراجعة أو الفحص «Checklist»، أقوم كمراقب بتدوين يوميًا مشاهداتى، عدد الطيور وأنواعها، توقيت مشاهدتها، هل كانت تأكل أم تشرب، تبنى عشًا أم تتكاثر، وهذه القائمة تقودنا لما يعرف بعلوم المواطن «Citizen science»، وأسباب وجود منصة مثل «eBird»، وذلك لمساعدة العلماء لأنه يوجد أكثر من 11 ألف نوع مختلف من الطيور على مستوى العالم، ومن ثم لن يتمكن العلماء من متابعة سلوكيات هذا الكم الهائل من الطيور فى البلاد المختلفة، لذا جاء موقع «ebird»، كقاعدة بيانات مفتوحة؛ ولكن وفقًا لضوابط صارمة للتأكد من صحة المشاهدات التى يضيفها المراقبين من كل البلاد، يتم ذلك من خلال التصوير والوصف الدقيق للطائر وغيرها من الشروط.

كيف جاءت فكرة تأسيس مبادرة «Aswan Bird Watching»؟

– بدأت الفكرة عندما وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها قادرًا على التعرف على معظم أنواع الطيور الموجودة فى أسوان، فى ذلك الوقت كنت أصطحب أصدقائى وضيوفهم فى جولات لمشاهدة الطيور، ووجدت أننى أقوم بدور المرشد بشكل طبيعى، خاصة مع الزائرين الذين كانوا يأتون إلى أسوان بناءً على ترشيحات من أصدقاء ومعارف.

ومع الوقت أدركت أن بإمكانى تحويل هذا الشغف إلى عمل متخصص، فقررت توثيق جميع مشاهداتى وصورى من خلال صفحة «Aswan Bird Watching»، لتكون منصة لنشر المعلومات عن طيور أسوان، وفى الوقت نفسه وسيلة للتواصل مع الراغبين فى المشاركة فى رحلات مراقبة الطيور.

ويمكن القول إن المبادرة بدأت فعليًا فى أواخر عام 2023، ثم انطلقت بشكل أكبر خلال عام 2024.

حدثنا عن أبرز هذه المبادرات وأهدافها؟

– منذ البداية حرصنا على ألا تكون المبادرة مجرد تنظيم لرحلات مشاهدة الطيور، بل أن يكون لها دور مجتمعى وبيئى أوسع، لذلك أطلقنا مبادرة «مشاهدة الطيور للجميع»؛ بهدف إتاحة هذه التجربة لمختلف فئات المجتمع، سواء من خلال رحلات مجانية أو بتكلفة رمزية.

ومن أكثر التجارب التى أعتز بها تنظيم رحلتين لذوى الإعاقة البصرية، بالتعاون مع مبادرة «إرادة.. إدارة بإرادة» فى أسوان. اعتمدنا خلالها على الحواس الأخرى، خاصة السمع، حيث استمع المشاركون إلى أصوات الطيور، كما قدمنا لهم وصفًا دقيقًا لأشكالها وأحجامها وألوانها، وكانت التجربة ناجحة وحققت تفاعلًا كبيرًا، وأثبتت أن الاستمتاع بالطبيعة لا يقتصر على حاسة البصر.

وأطلقنا مبادرة «Better No Litter»؛ التى تجمع بين مراقبة الطيور وتنظيف نهر النيل من المخلفات البلاستيكية، بالتعاون مع مبادرة «Save Nature»، فى إطار ربط حماية الطيور بالحفاظ على بيئتها الطبيعية.

ما المهارات التى يحتاجها مراقب الطيور الجيد؟

– القدرة على دقة الملاحظة فى رؤية الطيور ومتابعتها، سرعة البديهة والصبر وعدم التسرع، لأن مراقبتنا للطيور تطلب أحيانًا الانتظار من ساعتين إلى ثلاث؛ خاصة أن هناك طيور خجولة لا تخرج من أعشاشها بسهولة، وأخيرًا أن يكون المراقب أمينًا صادقًا لا يدعى مشاهدة طائر غير موجود؛ لمجرد إضافة اسمه على منصات مراقبة الطيور حول العالم.

ما أخلاقيات التصوير للحياة البرية لمراقب الطيور؟

– عدم إزعاج الطيور أو تعريضها للخطر مثل إفساد موائل (أعشاش) الطيور بالبقاء فيها لفترة طويلة؛ لأن ذلك يدفع الطائر الأم الابتعاد عن البيض وتعريضه لأشعة الشمس يؤدى لإفساده، وأخطر السلوكيات المؤذية هو نشر المراقب لبيانات ومواقع الطيور النادرة، بأن يقول شاهدت مثلًا «صقر شاهين» الباهظ الثمن فوق «خزان أسوان»، لأن ذلك يجعل هذه الطيور مهددة بملاحقة الصيادين لها ومن أجل بيعها بملايين الجنيهات.

لماذا تحظى أسوان بمكانة خاصة لدى مراقبى الطيور؟

– أسوان تتمتع بطبيعة فريدة عن أى محافظة أخرى تشهد إقامة، وهجرة للطيور، فهى تحظى بالجزر النيلية والكثبان الرملية، بالإضافة إلى اتساع المساحات الزراعية؛ وأعداد الأشجار فى البر الغربى من النيل، كل هذه الطبيعة ساهمت فى وجود موائل الطيور بوفرة فى أسوان.

والسبب الأهم هو المواطن الأسوانى لا يأذى الطيور، فكلاهما يتشاركان النيل والجزر؛ ويعيشان فى نفس المسارات والأماكن فى هدوء وسكينة، عكس المدن الأخرى يصطاد أهلها أى طائر فى طريقهم.

هل ساهمت هذه الطبيعة فى تيسير عملية الرصد لمراقب الطيور؟

– بكل تأكيد، الطائر فى أسوان تأقلم مع البشر، ولا يخشى من اقترابك منه لتصويره، فأصبحت كمراقب أو مصور للحياة البرية أستطيع الاقتراب بهدوء أثناء استقلالى أحد المراكب فى وسط النيل، من الطيور وتصويرها عن قرب بالإضافة إلى تميز أسوان بشمسها الساطعة طوال العام، كلها عوامل تساعد على الرصد والتوثيق والتصوير للطيور بدقة، عكس مدينة الفيوم يواجه المصورون صعوبة فى التقاط صورة دقيقة وواضحة فى بحيرة قارون أو الريان.

ما أنواع الطيور فى أسوان وأعدادها؟

– وفقًا لموقع «Eye Bird»، يوجد فى أسوان أكثر من 200 طائر، ينقسموا إلى نوعين طيور مُقيمة تعيش طوال العام وتتكاثر فى المدينة مثل الفرخة السلطانية، تمير وادى النيل، الكروان السنغالى، الأوزة المصرية، اليمامة الضاحكة، الزقزاق البلدى وطائر السنونو، أما النوع الثانى فهو الطيور المهاجرة التى تهاجر لأسوان فى فصل الشتاء وتتكاثر مثل أنواع كثيرة من البط كبط الكيش، والصواى الأوراسى، البلبول الشمالى، الشرشير الشتوى، بالإضافة إلى أنواع من الطيور الخواضة، مثل الطيطوى الشائع الزقزاق المطوق.

ما مواسم هجرة الطيور فى أسوان؟

– تشهد أسوان موسمين رئيسيين لهجرة الطيور، الأول هو الهجرة الخريفية، وتبدأ سنويًا مع بداية شهر سبتمبر وتستمر حتى شهر نوفمبر، وقد تمتد بعض الأنواع لفترة أطول، وخلال هذا الموسم تعبر الطيور القادمة من أوروبا وآسيا فى طريقها إلى أفريقيا، هربًا من انخفاض درجات الحرارة وتجمّد مصادر المياه والغذاء فى مناطق تكاثرها.

والموسم الثانى ما يطلق عليه الهجرة الربيعية، ويبدأ مع بداية شهر مارس وحتى شهر مايو، حيث تعود الطيور من أفريقيا إلى أوروبا وآسيا بعد انتهاء فصل الشتاء وذوبان الجليد تبدأ هذه الطيور فى بناء الأعشاش والتزاوج ووضع البيض وتربية صغارها خلال أشهر الصيف، قبل أن تعاود رحلتها جنوبًا فى الخريف التالى، مصطحبة معها الجيل الجديد فى أول رحلة هجرة له.

ما أكثر الأنواع التى تثير اهتمامك شخصيًا؟

– الطيور الإفريقية النادرة التى تتواجد فى منطقتى أبوسمبل بحيرة ناصر، لأن هذه الأنواع حصرية؛ ولا توجد فى أى مكان بالعالم غير مصر، مثل طائر النساج الذى ينسج عشه ككورة مستديرة مثل عاملة تريكو محترفة، وهو من الطيور حديثة العهد الموجودة فى أسوان، بالإضافة إلى نوع آخر طائر شمعى المنقار، طائر جميل من فئة العصافير له ذيل أحمر بديع.

هل هناك طيور جديدة قمت برصدها؟

– كنت أول مصرى وثق طائر «الشمعى منقار الأحمر»، ولكن هناك طيور جديدة أخرى مثل أبو فصادة الإفريقى والغاق الإفريقى، وتتواجد أغلب هذه الطيور عند بحيرة ناصر.

هل لاحظت اختفاءً لبعض أنواع كانت مألوفة؟

– لم تختفِ تمامًا؛ ولكن أعدادها انخفضت فى النيل، مثل أحد أنواع طائر الزقزاق، يختفى من مكان ويذهب لمكان آخر، وهى مسألة تعود لحساسية كل طائر وطبيعة تأقلمه مع البيئة المحيطة به، مثلًا طائر «الفلامنجو» هاجر إلى أسوان فى أحد السنوات، وهو نوع لا يُفضل الإزعاج المتكرر، وعندما بدأ أصحاب المراكب يذهبون بالسياح لأماكن تواجده فى الجزر النيلية، اختفى لمحطة أخرى.

كيف يؤثر تغير المناخ على الطيور المهاجرة فى مصر؟

– أحيانًا انخفاض وارتفاع منسوب النيل خلال السنوات الماضية يؤثر على وجود بعض الطيور، فمثلًا مع انخفاض منسوب النيل أدى لعدم ظهور بعض الجزر الرميلة فى النيل، ومن ثم الطيور الخواضة التى تخوض فى المياه الضحلة لالتقاط العوالق لم تظهر، كما يؤثر على أعداد الطيور فقدان الموائل من خلال عمليات تنظيف الجزر النيلية بطريقة عشوائية دون مراعاة وجود هذه الموائل الموجودة أسفل البوص المنتشر على إحدى الجزر، لسنا ضد عمليات التنمية والتوسعة لكن مع مراعاة الأثر البيئي.

هل تمتلك مصر المقومات التى تؤهلها لأن تصبح وجهة عالمية لسياحة مراقبة الطيور؟

– بالتأكيد، تمتلك مصر جميع المقومات التى تجعلها مركزًا متميزًا للسياحة البيئية، وسياحة مراقبة الطيور على وجه الخصوص ويعود ذلك إلى موقعها الجغرافى الفريد على أحد أهم مسارات هجرة الطيور بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وهو ما يجعلها محطة رئيسية لملايين الطيور المهاجرة كل عام.

كما تضم مصر تنوعًا كبيرًا فى البيئات الطبيعية، من المسطحات المائية العذبة والمالحة، إلى الأراضى الزراعية والصحراوية، وهو ما يوفر موائل مناسبة لعدد كبير من الأنواع.

ويُضاف إلى ذلك اعتدال المناخ خلال فصل الشتاء، ما يجعلها مكانًا مثاليًا لاستقبال الطيور المهاجرة التى تقضى موسم الشتاء فى مصر، خاصة فى جنوبها.

ومن أبرز المواقع التى تعكس أهمية مصر على خريطة هجرة الطيور مناطق تُعرف باسم عنق الزجاجة«Bottleneck»، مثل مرصد الجلالة فى السويس، حيث تعبر أعداد هائلة من الطيور المهاجرة، وهو نموذج يستحق مزيدًا من الاهتمام والترويج.

ما أهم الدروس التى تعلمتها من مراقبة الطيور؟

– علمتنى الطيور الكثير من القيم، وفى مقدمتها الصبر والمثابرة؛ فعلى سبيل المثال، يقف طائر «البلاشون الرمادى»؛ أو «مالك الحزين» كما يطلق عليه البعض لساعات طويلة فى هدوء تام منتظرًا اللحظة المناسبة لاصطياد فريسته، وهو درس حقيقى فى الصبر وضبط النفس.

وفى المقابل، يقدم طائر «الرفراف» نموذجًا مختلفًا؛ فهو يكرر محاولات الصيد مرات عديدة، وقد لا ينجح إلا فى عدد قليل منها، لكنه لا يتوقف عن المحاولة، وهو ما يعكس قيمة الإصرار وعدم الاستسلام.

كما تعلمت من الطيور معنى التضحية والمسئولية؛ فكثير من الأنواع تبذل جهدًا كبيرًا، وقد تعرض حياتها للخطر، من أجل حماية صغارها ورعايتهم حتى يصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم وهى مشاهد تجعل الإنسان أكثر تقديرًا لقيم الصبر، والمثابرة، والأبوة والأمومة فى عالم الطبيعة.

بوابة روز اليوسف
حوار: هاجر عثمان تصوير: إسماعيل خليفة

Exit mobile version