من الأعمال المنزلية إلى كرة القدم.. الصين تدفع بالروبوتات نحو الحياة اليومية

هل تبني الصين عالمًا يمكن أن تصبح فيه الروبوتات جزءًا من الحياة اليومية؟ يبدو أن البلاد تتحرك بالفعل في هذا الاتجاه، إذ لم تعد الروبوتات البشرية التي تستعرضها الصين في مؤتمر الروبوتات العالمي تكتفي بالمشي والتحدث، بل أصبحت تؤدي مهام أكثر تعقيدًا، مثل فرز الصناديق والتعامل مع الملابس وترتيبها وتعبئتها.
وفي الوقت نفسه، تشارك الروبوتات في دورة الألعاب العالمية للروبوتات البشرية في بكين، حيث تخوض سباقات الجري، وتلعب كرة القدم، وتمارس الملاكمة، بل وتشارك أيضًا في مباريات التنس، ويبقى السؤال الأكبر هو ما إذا كانت هذه الآلات ستصبح في النهاية مساعدين مفيدين داخل المنازل وفي مختلف جوانب الحياة اليومية.
الصين تتقدم في صناعة الروبوتات البشرية
تأتي هذه الخطوات في الوقت الذي تحقق فيه صناعة الروبوتات البشرية في الصين تقدمًا كبيرًا، حيث أصبحت البلاد صاحبة الصدارة بفارق واسع عن منافسيها، ووفقًا لتقرير نشرته وكالة بلومبرج، تستحوذ شركات تصنيع الروبوتات البشرية الصينية حاليًا على 97% من الشحنات العالمية، ما يضع الصين في موقع متقدم للغاية مقارنة بمنافسيها في الولايات المتحدة، وتعمل بكين حاليًا على تحويل هذه التكنولوجيا إلى عرض عام ضخم، من خلال مشاركة آلاف الروبوتات في فعاليات تهدف إلى اختبار مدى قدرتها على الحركة والاستجابة وتنفيذ المهام المختلفة.
مستقبل يعتمد فيه البشر على الروبوتات
ولا يبدو هذا التوجه مفاجئًا تمامًا، خاصة أن إيلون ماسك تحدث سابقًا عن مستقبل يمكن أن تتولى فيه الروبوتات جزءًا كبيرًا من الأعمال التي يقوم بها البشر، وتقوم هذه الرؤية على أن يصبح البشر أقل اعتمادًا على الوظائف من أجل توفير احتياجاتهم المعيشية، وهي فكرة تبدو مثيرة للاهتمام، إلا أن السؤال الأهم يظل متعلقًا بقدرة الأشخاص العاديين على تحمل تكلفة هذه التكنولوجيا عندما تصبح متاحة على نطاق واسع، وكان ماسك قد توقع أن يصبح البشر في المستقبل أحرارًا في زراعة الخضروات، وأنه لن تكون هناك حاجة إلى ادخار الأموال من أجل المستقبل.
الروبوتات تتنافس في الرياضة
انطلقت في بكين النسخة الثانية من دورة الألعاب العالمية للروبوتات البشرية بمشاركة 666 فريقًا و2056 روبوتًا بشريًا، ويستمر الحدث لمدة خمسة أيام، ويتضمن 51 فعالية و1301 منافسة، تشمل ألعاب القوى وكرة القدم ورفع الأثقال وشد الحبل وتنس الطاولة، كما تتضمن الدورة مسابقات تعتمد على مهام صناعية وفندقية ولوجستية ومنزلية، في محاولة لاختبار قدرات الروبوتات خارج نطاق المنافسات الرياضية التقليدية.
وكان أحد أكثر المشاهد إثارة للانتباه خلال حفل الافتتاح هو نجاح روبوت بشري في إكمال سباق 100 متر خلال 9.39 ثانية، وكان هذا الزمن أسرع من الرقم القياسي العالمي للرجال المسجل باسم العداء الجامايكي يوسين بولت، والذي يبلغ 9.58 ثانية، والروبوت الذي حقق هذا الزمن يحمل اسم Tien Kung Ultra، وقد طوره مركز بكين لابتكار الروبوتات البشرية.
روبوت آخر يتفوق على الرقم القياسي في سباق 400 متر
ولم يتوقف الأمر عند سباق 100 متر، إذ تمكن روبوت آخر من طراز Tian Gong من الفوز بسباق 400 متر للروبوتات الكبيرة بزمن بلغ 38.15 ثانية، وتجاوز هذا الزمن أيضًا الرقم القياسي العالمي للرجال في سباق 400 متر، والبالغ 43.03 ثانية، والذي سجله العداء وايد فان نيكيرك، وكان التطور مقارنة بالعام الماضي لافتًا للغاية، إذ كان الروبوت الفائز قد أنهى السباق في النسخة السابقة بزمن بلغ 88.03 ثانية.
روبوتات تدخل منافسات التنس
وشهدت منافسات التنس أيضًا تجربة مثيرة تكشف إلى أي مدى يتم دفع هذه الآلات نحو قدرات أكثر تعقيدًا، فقد شارك روبوت بشري طورته شركة Galbot ومقرها بكين في مباريات فردية وزوجية مختلطة أمام لاعبين من البشر.
وتمكن الروبوت من تتبع الكرة والتحرك عبر الملعب وإعادة ضربات المنافسين. وفي إحدى اللحظات، سقط الروبوت أثناء محاولته اللحاق بالكرة، ثم تدحرج على الأرض وتمكن من الوقوف مرة أخرى ومواصلة المباراة.
ليس كل شيء يسير بسلاسة
ورغم هذه العروض اللافتة، لم تسر جميع المنافسات بشكل مثالي، فقد سقط عدد من الروبوتات أثناء سباقات الجري ومباريات كرة القدم، بينما تسبب أحد الروبوتات التي تلعب كرة القدم في إسقاط زميله في الفريق بالخطأ، واضطر العاملون في بعض الحالات إلى حمل الروبوتات التي لم تتمكن من مواصلة المنافسات أو نقلها باستخدام عربات، كما ظهرت الروبوتات وهي تؤدي حركات تاي تشي، وهي رياضة وفن قتالي صيني قديم، ما أضفى على استعراض التكنولوجيا طابعًا صينيًا واضحًا.
من الملاعب الرياضية إلى المنازل والمقاهي
لكن الجزء الأكثر إثارة في دفع الصين نحو عالم الروبوتات قد يحدث بعيدًا عن الملاعب الرياضية، فخلال مؤتمر الروبوتات العالمي، يجري استعراض روبوتات بشرية قادرة على تنفيذ مهام مثل التعامل مع الملابس وفرز الصناديق وترتيب الملابس وتعبئتها، والهدف من هذه العروض هو إثبات أن هذه الآلات يمكنها في المستقبل تنفيذ أعمال مفيدة خارج بيئات المصانع الخاضعة للسيطرة الكاملة.
روبوت يدير مقهى على مدار 24 ساعة
وسلط تقرير منفصل لصحيفة South China Morning Post الضوء أيضًا على روبوت بشري يدير مقهى يعمل على مدار 24 ساعة في بكين دون موظفين، وبحسب التقرير، تمكن المتجر الذي تديره الروبوتات من تقديم 202 كوب من القهوة خلال ساعة واحدة، محققًا رقمًا قياسيًا في موسوعة جينيس للأرقام القياسية، وتوضح هذه التجربة كيف بدأت استخدامات الروبوتات تتجاوز المصانع والمختبرات لتصل إلى خدمات يمكن أن يتعامل معها المستهلكون بشكل مباشر.
بطاريات الروبوتات تمثل تحديًا كبيرًا
ورغم التقدم السريع، فإن جعل الروبوتات تعمل بشكل مستقل لا يزال أمرًا صعبًا، وتعد عمر البطارية من أبرز المشكلات، لأن المحركات تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة لمجرد تحريك الروبوت، كما أن إضافة عمليات الذكاء الاصطناعي مباشرة داخل الروبوتات يمكن أن تزيد استهلاك الطاقة بشكل أكبر.
ولهذا السبب، تعتمد بعض الشركات على الحوسبة السحابية بدلًا من تنفيذ جميع عمليات الذكاء الاصطناعي داخل الروبوت نفسه، وهو ما يجعل وجود اتصال قوي ومستقر بالشبكة أكثر أهمية.
الروبوتات تعتمد بشكل أكبر على شبكات 5G-Advance، وخلال دورة الألعاب الحالية، تم تجهيز عدد أكبر من الروبوتات بوحدات اتصال 5G-Advanced، وتتيح هذه الوحدات إرسال المعلومات التي تجمعها المستشعرات الموجودة داخل الروبوتات إلى أنظمة ذكاء اصطناعي خارجية، ثم استقبال التعليمات منها مرة أخرى، ويمكن أن يساعد هذا النهج في تخفيف بعض العبء الحسابي عن الروبوت نفسه، مع توفير قدرات ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا عبر الأنظمة الخارجية.
تقدم الصين يثير اهتمام واشنطن
كما يجذب التقدم السريع الذي تحققه الصين في مجال الروبوتات اهتمام الولايات المتحدة، وذكرت وكالة Associated Press أن لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية أعلنت مؤخرًا قيودًا على استيراد روبوتات بشرية جديدة مصنعة في الخارج، مستندة إلى مخاوف تتعلق بالأمن القومي، وفي الوقت نفسه، أضافت وزارة الدفاع الأمريكية شركة تصنيع الروبوتات الصينية Unitree إلى قائمة الشركات التي تقول الولايات المتحدة إن لها صلات بالجيش الصيني.
ورفضت بكين هذه الاتهامات، ومع استمرار الصين في تطوير الروبوتات البشرية ودفعها من المختبرات والمصانع إلى الملاعب والمقاهي والمنازل، يبدو أن المنافسة لم تعد تقتصر على تطوير روبوت يستطيع المشي أو التحدث، وإنما أصبحت تدور حول مدى قدرة هذه الآلات على الاندماج فعليًا في الحياة اليومية وأداء المهام التي يقوم بها البشر.

اليوم السابع

Exit mobile version