على غرار الشبكات العصبية الاصطناعية.. دراسة: البكتيريا تخزن الذكريات وتتذكر الماضي

غالبًا ما يُعتقد أن التعلم يتطلب وجود دماغ، إلا أنه مفهوم واسع لا يعتمد بالضرورة على الخلايا العصبية، فعندما يستخدم الكائن الحى معلومات مستمدة من تجارب سابقة لتشكيل قراراته المستقبلية، فإنه يُعدّ فى حالة تعلّم أيضًا.

وأظهرت دراسة حديثة نُشرت فى دورية «PRX Life»- أن حتى البكتيريا الواحدة يمكنها التعلم من التجربة، وتخزين ذكريات الماضى، واستخدام تلك الذكريات للاستعداد للمستقبل، بحسب ما ذكر موقع «The Conversation».

وتقول الدراسة إن البكتيريا تعيش فى بيئات تتغير باستمرار وعبر نطاقات زمنية متنوعة؛ ففى أمعاء الإنسان، على سبيل المثال، تتقلب مستويات العناصر الغذائية، وتتغير درجات الحرارة، وتظهر تهديدات المضادات الحيوية ثم تزول.

ولكى تتمكن البكتيريا من البقاء، يتعين عليها الاستجابة بسرعة للأحداث الراهنة مع الاحتفاظ فى الوقت ذاته بمعلومات مفيدة حول تجاربها السابقة القريبة، فالتكيف السريع للغاية قد يجعل البكتيريا عرضة للمخاطر الناجمة عن تغير الظروف، بينما يؤدى النسيان السريع إلى عجزها عن توقع التهديدات المتكررة، فكيف تحقق البكتيريا هذا التوازن الدقيق؟

وللبحث فيما إذا كانت الكائنات وحيدة الخلية -مثل البكتيريا- قادرة على التعلم من التجارب السابقة، استخدم الباحثون جهازًا يُعرف بـ «جهاز الموائع الدقيقة» (microfluidic device) لتتبع سلوك عشرات الآلاف من خلايا بكتيريا «الإشريكية القولونية» (E. coli) الفردية، وذلك أثناء قيامهم بتشغيل وإيقاف إمداداتها الغذائية بمعدلات متفاوتة.

وجد الباحثون أن البكتيريا لا تكتفى بالاستجابة لمستويات المغذيات الراهنة فى بيئتها فحسب، بل تحتفظ أيضًا بسجل لتاريخ توفر المغذيات لديها لتتمكن من التكيف مع الظروف المتغيرة، فلو كانت البكتيريا تستجيب ببساطة لبيئتها الحالية، لكانت ستتعامل مع أى تدفق مفاجئ للغذاء بالطريقة ذاتها تمامًا، بغض النظر عما إذا كانت بيئتها السابقة مستقرة أم متقلبة بسرعة.

ولكن بدلاً من ذلك، وعند تعرضها لنفس تدفق المغذيات، أظهرت البكتيريا التى عاشت سابقًا فى بيئة تتأرجح بين الوفرة والندرة، قدرةً على التكيف أسرع بكثير مقارنةً بتلك القادمة من بيئة مستقرة، ونظراً لأن الظروف المباشرة كانت متطابقة لكلا المجموعتين من البكتيريا، فقد استنتجنا أن الاختلاف فى سلوكهما لا بد أن ينبع من سجل داخلى لماضيها، وليس مجرد رد فعل على واقعها الراهن.

وبعبارة أخرى، كانت تجارب البكتيريا الماضية تشكّل سلوكها الحالي؛ أى أنها كانت تتعلم.

أين تخزن البكتيريا ذاكرتها؟
ولفهم كيفية استجابة البكتيريا للتغيرات فى بيئة العناصر الغذائية المحيطة بها بشكل أفضل، قام الفريق البحثي ببناء نموذج رياضى للشبكة الجزيئية الداخلية التى تتحكم فى نمو البكتيريا، ولم يكتفِ نموذجهم بمحاكاة سلوك البكتيريا فى ظل ظروف غذائية مختلفة فحسب، بل كشف أيضًا عن الموقع المحتمل لوجود ذاكرتها.

وأشار النموذج إلى مكون خلوى يُعرف باسم «الريبوسومات» (ribosomes) باعتباره موقعًا محتملًا لتخزين الذاكرة، وتُعد الريبوسومات بمثابة المصانع الجزيئية داخل الخلايا؛ فهى تتولى بناء البروتينات وتحديد معدل نمو الخلية.

ونظرًا لأن ذاكرة البكتيريا تجلت لنا فى صورة تغيرات فى معدل النمو، فقد حدد نموذجنا مصدر هذه الذاكرة داخل تلك المصانع المسؤولة عن تحديد النمو؛ إذ لم يُظهر أى مكون آخر اختبرناه فى النموذج هذا النمط من السلوك.

واستجابت بعض الريبوسومات بسرعة للتغيرات فى العناصر الغذائية، فى حين تغيرت أخرى بوتيرة أبطأ، واستنتج الفريق من ذلك أن المكونات سريعة الاستجابة تتابع الأحداث الراهنة، بينما تحتفظ المكونات بطيئة الاستجابة بآثار من الماضي؛ وبذلك، تمنح هذه المكونات مجتمعةً الخليةَ ذاكرةً تمتد عبر نطاقات زمنية متعددة، تتراوح بين دقائق وساعات.

المصري اليوم

Exit mobile version