تحية كاريوكا.. أيقونة الرقص الشرقى التى وفقت بين الإبداع والسياسة

من فتاة صغيرة نازحة من الإسماعيلية هرباً من قسوة الظروف، إلى اسم يهز مسارح القاهرة والعالم، هكذا تلخصت مسيرة واحدة من أبرز رائدات الفن الاستعراضى والدرامى فى العالم العربي، الفنانة القديرة تحية كاريوكا، التى تمر اليوم ذكرى رحيلها، تلك الايقونة التى لم تكن مجرد نجمة استعراضية بارعة ملأت شاشات العصر الذهبى صخباً وبهجة، بل كانت صوتاً وطنيّاً هادراً اشتبك مع قضايا مجتمعه خلف الستار بقدر ما أبدع أمامه، فبين منصات المسارح وعتمة الزنازين السياسية، خطت كاريوكا مسيرة استثنائية جعلت من فنها وسيلة للتعبير ومن مواقفها نموذجاً للفنان الملتزم، ليبقى غيابها بعد مرور السنوات فصلاً غير قابل للنسيان فى تاريخ القوة الناعمة المصرية.
ولادة الأسطورة وتطوير المسار الاستعراضى
ولدت بدوية محمد كريم على السيد فى مدينة الإسماعيلية، وشقت طريقها نحو العاصمة القاهرة مدفوعة بشغف فنى كبير لتلتحق بفرقة بديعة مصابنى الشهيرة، واكتسبت اسمها الفنى تحية كاريوكا بعد تقديمها رقصة الكاريوكا البرازيلية الشهيرة فى أحد العروض، وهو الأداء الذى جذب الأنظار إلى موهبتها الفذة، حيث تميز أسلوبها بالرصانة والاعتماد على المرونة والحركة الهادئة، مما أحدث ثورة تجديدية فى عالم الرقص الشرقى ونقله إلى مسارح ومحافل أكثر تنظيماً.
حضور سينمائى مغاير وجرأة فى الأداء الدرامى
تجاوزت كاريوكا حدود الاستعراض لتقتحم عالم التمثيل بقوة، فقدمت للسينما المصرية عشرات الأعمال الكلاسيكية التى تعد من علامات الفن، ولم تعتمد فى نجوميتها على الرقص بل فرضت موهبتها كممثلة قديرة فى أدوار مركبة، ولعل أبرز محطاتها تجسيد شخصية شفاعات فى فيلم “شباب امرأة” الذى نافس فى مهرجان كان السينمائي، بالإضافة إلى أدوارها المتميزة فى أفلام مثل “خلى بالك من زوزو” و”أم العروسة”، حيث أثبتت قدرة فائقة على التنوع بين الدراما والكوميديا.
المواقف الوطنية والنضال خلف الستار
امتدت حياة تحية كاريوكا إلى ما هو أبعد من أضواء المسارح، حيث عرفت بمواقفها السياسية الجريئة وانحيازها التام للقضايا الوطنية، فساهمت فى دعم المقاومة المصرية ضد الاحتلال الإنجليزي، واحتضنت مواقف سياسية كلفتها السجن فى بعض فترات حياتها، كما لعبت دوراً بارزاً فى العمل النقابى والدفاع عن حقوق الفنانين من خلال توليها رئاسة اللجنة النقابية للممثلين، لتظل فى الذاكرة الجمعية نموذجاً للفنان المثقف والمشتبك مع قضايا مجتمعه حتى أيامها الأخيرة.

اليوم السابع

Exit mobile version