حبيب للإيجار وصديق للبيع!

تتجلى اليوم فى المشهد الحضرى المعاصر عبر العديد من المدن الكبرى حول العالم ظاهرة اجتماعية واقتصادية غير مألوفة، تحوّل معها مفهوم «الصحبة» والأُنْس الإنسانى من قيمة اجتماعية عفوية إلى سلعة استهلاكية تُحجز عبر التطبيقات وتُسدَّد قيمتها بالبطاقات البنكية. هذه الظاهرة، التى باتت تُعرف فى الأدبيات الاقتصادية بـ «اقتصاد الرفقة» أو «اقتصاد الوحدة»، تعكس تحولات ديموغرافية ونفسية عميقة لدى جيل الشباب فى مجتمعات طغى عليها الإجهاد الوظيفى والتباعد الاجتماعى. وبدلاً من تكبد العناء النفسى والجهد العاطفى المستنزِف لتكوين صداقات جديدة، يُفضّل قطاع متزايد من المستهلكين الدفع لغرباء مقابل قضاء أوقات ممتعة معهم فى رحلات تسلق الجبال، أو التنزه، أو حتى مشاركة وجبة طعام تقليدية.

الهروب من مرارة الرفض.. لماذا يدفع الشباب مقابل الصحبة؟

تكمن الأسباب العميقة وراء هذا الإقبال المتزايد فى التغيرات العنيفة التى طرأت على نمط الحياة الحضرية وضغوطها النفسية؛ فاكتظاظ المدن وطول ساعات العمل جرفا ملايين الشباب بعيدًا عن شبكاتهم العائلية والاجتماعية التقليدية، وهو ما ولّد حالة من الجوع العاطفى أو ما يُصطلح عليه بـ«الاستهلاك العاطفى». تزامن ذلك مع ظروف اقتصادية ضاغطة، فى مقدمتها ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين وشيوع أنماط العمل الحر والمرن عبر المنصات الرقمية، مما دفع آلاف الشباب للبحث عن مصادر دخل بديلة عبر تقديم خدمات المرافقة والمؤانسة.

ومن المنظور النفسى، يؤكد الخبراء أن الارتباط بمرافقين مأجورين يمنح المستهلك شعورًا عاليًا بالسيطرة والأمان النفسى، خاليًا تمامًا من تعقيدات العلاقات الإنسانية المركبة؛ إذ أن بناء الصداقات التقليدية يتطلب استثمارًا عاطفيًا ومخاطرة بالتعرض للرفض الاجتماعى وما يستتبعه من قلق وتوتر. وفى هذا السياق، أبرزت صحيفة «اليابان تايمز» أن التسوق العاطفى يوفر للمستهلك إجابة مسبقة ومضمونة؛ فعندما تدفع مقابل الخدمة، فإنك تحصل دائمًا على الإيجاب والموافقة دون خوف من الصد.

السوق الصينية: 7.4 مليار دولار وصناعة المرافقة فى أعالى الجبال

تتصدر الصين خريطة هذه الصناعة الناشئة؛ حيث تحولت الرفقة إلى قطاع اقتصادى ضخم مدفوع بالتحولات الديموغرافية والتكنولوجية. ووفقًا لتقرير نشرته منصة «ستراتفوز جلوبال» (Stratfuse Global)، نقلًا عن تقديرات الإعلام الرسمى الصينى، فإن حجم اقتصاد الرفقة قد قفز إلى أرقام قياسية ليلامس نحو 50 مليار يوان (ما يعادل 7.4 مليار دولار) بحلول عام 2025.

وتتعدد صور هذه الخدمات فى الشارع الصينى؛ فعلى سبيل المثال، يرتاد المتسلقون قمم الجبال الشهيرة مثل جبل «تاى»، بعد حجز مرافقين مسبقًا لحمل الحقائب، والتقاط الصور، وتقديم الدعم النفسى والبدنى طوال الرحلة. ونقلت وكالة «رويترز» عن إحدى الشركات المتخصصة أن تكلفة مرافقة العميل خلال رحلة نهارية لتسلق جبل «تاى» تصل إلى نحو 800 يوان صينى (حوالى 116 دولارًا). كما يمتد الأمر لاستئجار رفقاء لمشاركة تناول وجبات «الهوت بوت» الجماعية، والتى يُشكّل تناولها فرديًا حرجًا اجتماعيًا للبعض.

وقد تحولت هذه الخدمات إلى مصدر رزق مستدام للعديد من الفئات؛ إذ تشير التجارب الميدانية إلى قيام شباب صينيين، عقب تسريحهم من الخدمة العسكرية، بتشكيل فرق عمل تضم مئات العاملين للعمل كمرافقين فى الرحلات وموفرين للرفقة العاطفية، مستهدفين النساء الباحثات عن الراحة والقيمة العاطفية والأمان خلال رحلاتهن.

«الحبيب المؤقت».. ملاذ لمواجهة الضغوط العائلية فى الأعياد

تتجاوز خدمات الرفقة حدود الصداقة العادية لتصل إلى تقديم خدمة «الحبيب أو الحبيبة المؤقتة»، وهى ظاهرة ترتبط غالبًا بالضغوط الاجتماعية والمناسبات العائلية، ولا سيما خلال الأعياد الرسمية مثل «عيد الربيع» الصينى، وتأتى بتكلفة أعلى بكثير من الرفقة التقليدية.

وفى تجربة وثقتها وسائط إعلامية حول استئجار حبيب عبر منصة «تاوباو» (Taobao)، بلغت تكلفة المرافقة لليوم الكامل 1500 يوان (نحو 264 دولارًا وفق سعر الصرف آنذاك)، وشملت الجولة تناول الطعام والتنزه وزيارة المعالم السياحية، مع اشتراطات صارمة حظرت أى تواصل جسدى كالإمساك بالأيدى أو التقبيل. وفى السياق ذاته، كشفت شبكة «ECNS» أن عروض «استئجار حبيبة» قبل عطلات عيد الربيع تبدأ من 1000 يوان لليوم الواحد، وتصل فى المتوسط إلى 3000 يوان مقابل يومين وليلة واحدة، بهدف إرضاء العائلات وتفادى الضغوط المجتمعية الممارسة على الشباب الأعزب.

التمدد الأوروبى: بضائع العزلة من شوارع لندن إلى باريس وبرلين

لم تعد فكرة «استئجار صديق» حكرًا على الأسواق الآسيوية، بل تمددت بصور متفرقة إلى العواصم الأوروبية؛ حيث تبرز العاصمة البريطانية لندن كإحدى أبرز المحطات التى وثقت الظاهرة. واستنادًا لتقرير بثته شبكة «ITV» نقلًا عن منصة «Rent a Friend» العالمية (التى تضم نحو 600 ألف ملف شخصى لأصدقاء حول العالم)، تبدأ أسعار الخدمة الأساسية من 15 جنيهًا إسترلينيًا للساعة، بينما ترتفع القيمة فى لندن لتتراوح بين 50 و200 جنيه إسترلينى للساعة، مقابل مرافقة العملاء فى ممارسة الرياضة بالصالات الرياضية (الجيم)، أو التجول، أو حتى الذهاب للملاعب لمشاهدة مباريات كرة القدم وتشجيع الفرق.

وفى فرنسا، تتخذ الظاهرة طابعًا أكثر تنوعًا عبر منصات متخصصة تتيح الصحبة المدفوعة للأنشطة الاجتماعية؛ حيث أشارت شبكة «TF1 Info» إلى وجود منصات فرنسية تؤجر الأصدقاء مقابل 20 يورو للساعة. وفى المقابل، تعرض منصات مثل «Dukes of Daisy France» خدماتها فى مدن كبرى مثل باريس، وليون، وليل، وبوردو، ونيس، وستراسبورج، بأسعار تتراوح بين 100 و500 يورو، لتغطية أنشطة العشاء، وحضور الحفلات والمناسبات الرسمية، أو التجول فى المدينة.

أمّا فى ألمانيا، فتقوم الخدمات على توفير رفيق لمناسبات أو مواقف اجتماعية محددة؛ إذ تُحدد الشركات التكلفة بحسب ساعات العمل أو طبيعة المهمة والجهد المبذول، مع الإشارة إلى أسعار تبدأ من 500 يورو لاستئجار صديق أو صديقة عبر الوكالات المتخصصة، يُضاف إليها تكاليف السفر والإقامة. وتنسحب هذه الخدمات بدرجات متفاوتة على دول أوروبية أخرى مثل إسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، وبلجيكا، وهولندا، والسويد، وسويسرا، والنمسا، والدنمارك، وأيرلندا، واليونان، والمجر، وبولندا.

الواقع العربى: مبادرات فردية واستهلاك ترفيهى بديل

فى المنطقة العربية، يأخذ البحث عن الصحبة والهروب من أعباء الحياة اليومية مسارًا مختلفًا عن النموذج المباشر السائد فى آسيا وأوروبا. وتقتصر تجارب «الصديق للإيجار» فى الشارع العربى حتى الآن على مبادرات فردية متفرقة عبر منصات التواصل الاجتماعى، تظهر غالبًا كأفكار تسويقية أو تجارب شبابية تستهدف إثارة الجدل وجذب التفاعل الرقمى.

وفى المقابل، يتشكل «التسوق العاطفى» فى البيئة العربية عبر أنماط استهلاكية موازية مرتبطة بالترفيه والرفاهية المباشرة، مثل التردد على المقاهى والمطاعم الشهيرة، والمشاركة فى الرحلات السياحية الداخلية، والأنشطة الاجتماعية الترفيهية، وهى مساحات توفر للأفراد متنفسًا للترويح عن النفس وتقليل وطأة ضغوط العمل بعيدًا عن الصيغة التجارية الصريحة لشراء الأشخاص.

وختامًا، يمثل «اقتصاد الرفقة» تحولًا جوهريًا فى طبيعة العلاقات الإنسانية التى طالما كانت نشاطًا عفويًا قائمًا على التبادل والتفاعل غير المشروط. وبين من ينظرون إلى هذه الخدمات بوصفها حلولًا عملية لتلبية الاحتياجات الإنسانية ومواجهة الوحدة فى عصر السرعة، ومن يرون فيها تجسيدًا صارخًا لتسليع العواطف واتساع فجوة العزلة الاجتماعية، يظل هذا القطاع نموذجًا حيًا لكيفية تحول أبسط المشاعر الإنسانية إلى خدمات قابلة للتسعير، والتسجيل، والدفع المسبق.

 

بوابة روزاليوسف

Exit mobile version