جدية عثمان: لماذا يتبنى بعض أبناء الأقليات مواقف أكثر تشددا تجاه الهوية والانتماء؟

عندما يكون الفرد ملكيا أكثر من الملك.
أحيانا لا تحتاج المواقف السياسية إلى كثير من التحليل يكفي سؤال واحد في توقيت مناسب ليكشف ما وراء الكلام!
هذا ما حدث خلال برنامج “Question Time” على شاشة BBC، عندما واجه رجل بريطاني من أصول إفريقية وزيرة الداخلية السابقة سويلا برافرمان بسؤال عن معنى الانتماء، ومن يحق له أن يعتبر نفسه إنجليزيا.
الرجل الذي قال إنه عاش 54 عاما، سمع خلالها مرارا أنه ليس إنجليزيا رغم ولادته في بريطانيا، لم يتردد عندما سُئل إن كان يعتبر نفسه إنجليزيا أجاب بثقة “بالتأكيد”
أما برافرمان المولودة هي الأخرى في بريطانيا لأبوين من أصول آسيوية، فلا تعتبر نفسها إنجليزية بل بريطانية من أصول آسيوية، انطلاقا من فهم للهوية الإنجليزية يرتبط بالجذور التاريخية والأجداد.
ولعل ما استوقفني ليس اختلافهما حول الهوية وإنما المفارقة في أن الرجل بدا أكثر تمسكا بإنجليزيته من وزيرة سابقة تتحدث بحماس عن حماية الهوية الإنجليزية وهنا تكمن المفارقة الحقيقية.
فبرافرمان التي اشتهرت بمواقفها المتشددة تجاه الهجرة واللجوء تنحدر هي نفسها من أسرة مهاجرة، ووصلت إلى احد أعلى المناصب في الدولة البريطانية وهذا في حد ذاته يعكس قدرة المجتمع البريطاني على استيعاب أبناء المهاجرين وإتاحة الفرص أمامهم، وإن لم يكن ذلك يعني بالضرورة اختفاء التمييز أو صعوبات الاندماج.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه لماذا يتبنى بعض أبناء الأقليات مواقف أكثر تشددا تجاه الهوية والانتماء؟ هل هي قناعة فكرية خالصة أم رغبة في إثبات الولاء أم محاولة للابتعاد عن صورة المهاجر حتى وإن كانت جزءا من تاريخ العائلة؟
لا أرى مشكلة في اعتزاز الإنجليز بهويتهم وتاريخهم، ولا في اعتزاز أبناء المهاجرين بجذورهم. المشكلة حين يتحول الانتماء إلى امتحان دائم، ويصبح على البعض إثبات أحقيتهم في وطن ولدوا وعاشوا فيه.
والأمر لا يقتصر على بريطانيا وحدها فهذه الظاهرة نجدها بدرجات متفاوتة في مجتمعات كثيرة حين يبالغ البعض في الدفاع عن هوية الأغلبية، وكأن التشدد يمنحهم شهادة انتماء إضافية.
خرجت من الحوار وأنا أتساءل هل أصبح مطلوبا من أبناء المهاجرين أن يكونوا أكثر إنجليزية من الإنجليز أنفسهم؟
يبدو أن البعض في محاولته إثبات الولاء، ينسى أن الملك نفسه لم يطلب منه أن يكون ملكيا أكثر منه.
مسافات…جدية عثمان
لندن 9 أكتوبر 2026
Exit mobile version