الخرطوم الآن

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] الخرطوم الآن [/B][/CENTER]

امرأة تنشد لقمة عيش في مخبأ بعنقِ أحد أزُقة السوق العربي، وتأتيها (الكشة) قبل أن يرشف زبونها الأول رشفته الأولى من كوب الشاي المنعنع. الرجل ينهض للحيلولة دون ذلك، وقبل أن يطلق لسانه في (الكشة) يسقط مغشياً عليه.
في طوارئ المستشفى المجاور لخنقة الزقاق وعسف الكشة، يقول الطبيب: يبدو أنه لم يأكل منذ يومين، ترد بائعة الشاي المرافقة: والله كل يوم يفطر عندي بكباية شاي، ويتغدى بشيريا!!
والرجل ينهض متثاقلاً، بعيد الظهيرة، يرفع بالكاد قدمه اليسرى، يجر اليمنى ببطء وفي زواية حادة مع نظيرتها، يدير ظهره للمدينة كلها، ويغيب.
سرادق العزاء، تبعثره الريح، أية ريح أنتِ؟ ومن أي الجهات تهبين؟ ثم تُهال ذراتك الناعمة على قبرٍ منزوٍ بختقة زقاق ضيق في سوق الخرطوم (العربي)، مكتوب على شاهده بلغةٍ مُبهمة (رحل وهو يدير ظهر للمدينة)!!
الرجل الميت وبائعة الشاي، ودليل الكشّة، يقرأون الفاتحة قرب شاهد القبر، وفي فاتحتهم تلك: أن الهيئة القومية للآثار والمتاحف نفت ما تواتر عن بيع أي موقع أوقطع أثرية لدولة قطر، وأن الأخيرة عقدت اتفاقاً مع الحكومة السودانية لتنمية آثار النوبة بتكلفة (135) مليون دولار، لمدة خمس سنوات.
رش الميت الواقف على شاهد قبره شخصياً، الماء على جسده البارد، ثم التفت (للكاش والمكشوشة) متسائلاً: ما المقابل إذن؟ لم يجد إجابة، لكنه حكى من داخل عتمته – لاحقاً، أنه خُيّل إليه، أو سمع كما يسمع الميت، إجابة تشبه إلى حد كبير، (أحسن الله عزاءكم).
الدولة تسعى لاتفاق مع الإعلام حول الحريات، يقرأ الميت مجدداً، ثم يعلق: هل يقصدون الحكومة؟ أم أن الحكومة والدولة اتحدتا، أم (عقدوا)؟
يمضي (المرحوم) قارئاً: وزير الصحة بولاية الخرطوم يصف الوقفات الاحتجاجية بالمستشفيات بأنها (بتاعت ناس زهجانين ساي)، فيشعر وكأن روحه تبث فيه من جديد، تعلو قهقهته، ويعلق بصوت جهور “إذ هو حي يرزق شاي في الفطور وشيريا في الغداء”، هو لو ما زهجانين البخليهم يحتجوا شنو؟، يطلق تعليقه هذا ويعود إلى قبره مرة أخرى، وكأنما (الخبر) سحب روحه من جديد.
بائعة الشاي، والذي (كشها)، ينثران الماء على رملِ قبرِ (الزبون)، ويدعوان له بالرحمةِ والغُفران، ثم يُهمان بالانصراف، لكنهما يتعرضان فجأة (لحنكلة وشنكلة)، جراء إطلاعهما على خبر يقول: “جمعية حماية المستهلك تتوعد بملاحقة الشركات المستوردة للهواتف فضائياً”، نهضت بائعة الشاي، وعلقت ساخرة: متين لاحقتو ليكم زول؟، ثم نظرت تحتها ناحية (بتاع الكشة)، وعالجته قائلة: الناس البلاحقو معروفين، وولت هاربة!!

[/SIZE][/JUSTIFY]

الحصة الأولى – صحيفة اليوم التالي

Exit mobile version