:: ومن المحن السودانية، أو كما يصف عمنا شوقي بدري غرائب الأشياء في بلادنا، ما يلي نصاً..تؤكد وزارة المالية بولاية الجزيرة بن جماعة تجتهد هذه الأيام في إثارة غبار إعلامي حتى تخفي تجاوزات مالية وعينية إرتكبتها في حق المواطن والمال العام، وأن يد العدالة ستطال هذه الجماعة، وأن وزارة المالية بصدد تقديم هذه الجماعة إلى العدالة خلال أسبوع، أوهكذا نص البيان الصادر عن وزارة المالية بالجزيرة..ليس في الأمر عجب، جماعة من ضعاف النفوس نهبت أموال عامة ، وإرتكبت بهذا النهب جريمة في حق الوطن والمواطن، ولذلك ستقدمهم وزارة المالية للعدالة خلال هذا الأسبوع..حدث طبيعي جداً، ويحدث ف ( أرقى الولايات)، الأمريكية المتحدة ..!!
:: ولكن، ما ليس طبيعياً، وهي المحنة ذاتها، الفقرة التالية من ذات البيان : ( سنمنح الذين تسورو و سطو على المال العام فرصة أخيرة حتى الخميس الرابع من أبريل الجاري لاسترداد هذه الأموال – المالية والعينية – خاصة تلك التي لها امتدادات بالمركز، وسيكون فعلنا باذن الله تعالى وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة لذلك، وسيواجهون مصيرهم أمام العدالة)، هكذا نص البيان، يشبه – إلى حد ما – البيانات التحذيرية التي تصدرها الحكومات ضد الحركات المتمردة لتجنح إلى السلم أو الإستسلام خلال فترة زمنية محددة.. لم تشهد العدالة في تاريخها – إلا في بلادنا تقريباً – بأن حكومة ما وصفت بعض أفرادها بالمعتدين على المال العام ثم منحتهم فرصة إسترجاع هذا المال المعتدى عليه خلال فترة زمنية محددة، لكي لا يعرضوا أنفسهم للعدالة .. !!
:: مثل هذه الغرائب – إنذار الللص بارجاع المال المسروق خلال أسبوع ليتجنب المحاكمة – لا يحدث في بلاد الآخرين، ولكنها إحدى محن بلادي..عندما يحدث مثل هذا الحدث بالدول التي إرادتها السياسية تقدس العدالة وتؤمن بمساواة الولاة والرعية أمام القانون، يساق المعتدون إلى النيابات ثم إلى المحاكم في ذات أيام الإعتداء، بلا إنذار أو ( فترة سماح).. ( فترة سماح)، كأن الأمر عقد شراء عربة أو منزل من أحد المصارف ..ثم، ليست من العدالة منح اللص خيار إسترجاع المال أو المحاكمة (ليختار أحدهما)..فالعدالة – حسب قانون بلادنا – تلزم مؤسسات الدولة بتقديم المعتدى على المال العام إلى النيابة مباشرة بمجرد ظهور جريمة الإعتداء ( أي بلا إنذار بلا خلوها مستورة)، وكذلك النيابة ملزمة بتقديم هذا المعتدي إلى المحكمة مباشرة بمجرد إكتمال البينات (حتى لو إسترجع المتهم المال المسروق)، وكذلك المحكمة ملزمة بالحكم عليه بالإعدام أو السجن والغرامة (حتى ولو إسترجع المدان المال المعتدى عليه).. هكذا ينص القانون المعتدى عليه – كما المال العام – في بلادنا ، فمن أي القوانين جاءت وزارة مالية الجزيرة النص القائل : سنمنح لصوص المال العام فرصة حتى ( الخميس 4 إبريل) ..؟؟
:: ثم الجدير بالإنتباه في هذا البيان الغريب، لم تذكر وزارة المالية بالجزيرة حجم المال المنهوب ، مليار (مثلاً؟)، أم مائة مليار (مثلاً؟)، أم ضعف هذه وتلك؟.. وكذلك، لم يذكر البيان تاريخ إعتداء اللصوص على أموال الناس والبلد بحيث يسترجعونها ( قبل الخميس الجاي)..هل تم الإعتداء قبل عام ( مثلاً؟)، أم قبل ثلاثة أعوام ( مثلاً؟)، أم قبل ( ثلاثة أشهر مثلاً؟).. يعني بيكون قلبوها في السوق كم مره؟.. وأياً كان التاريخ هذا الإعتداء، لماذا لم تنذرهم وزارة المالية في حينه؟، و لماذا صمتت طوال الفترة السابقة ثم تهددهم – فجأة كده – بعد أن تفجرت الخلافات التي تشهدها دهاليز الحزب الحاكم بولاية الجزيرة ؟..وعليه، لو لم يختلفوا فيما بينهم – حول السلطة طبعاً – لما كان هذا البيان، ولأبقوا المال المعتدى عليه فيما بينهم ( سراً).. مجتمعنا عفيف للغاية، فمن أين رضع هؤلاء كل هذه ( الدناءة)..؟؟
[/JUSTIFY][/SIZE]
الطاهر ساتي
إليكم – صحيفة السوداني
[email]tahersati@hotmail.com[/email]
