الامتحانات والانهيارات

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] الامتحانات والانهيارات [/B][/CENTER]

كان تفضيلي لكلية الآداب على الحقوق/ القانون موفقا، فقد كانت جميع البرامج الدراسية المطروحة فيها تعجبني (ما عدا الشعر الجاهلي)، وبالتالي لم أكن (أشيل) هم الامتحانات طوال سنوات دراستي فيها، وكي أكون أكثر أمانة فقد كانت طريقتي في الاستعداد للامتحانات هي التي تعطيني الثقة بالنفس وتعزز فرص نجاحي، فمنذ أن التحقت بالمدرسة الثانوية لم يحدث قط أن أمسكت بكتاب أو كراسة بعد الحادية عشر ليلا، يعني تكتيكي كان أن أنام مبكرا واستيقظ مبكرا والناس نيام، وأقرأ واستذكر دروسي، وإلى يومنا هذا ساعدني أسلوبي في المذاكرة على التخلص من عادة النوم بعد الغداء، فيكون زميلي في الغرفة يشخر ويهلوس بعد تلك الوجبة واستلقي أنا قليلا «أفكر في اللي ناسيني» أو أقرأ جريدة، ثم أشرع في المذاكرة، ولكن التكتيك الذي لم يخذلني قط، هو أن أبدأ المذاكرة قبل الموعد المحدد للامتحان بشهرين على أقل تقدير، وفق جدول زمني صارم يضمن لي مراجعة كل المنهج من الألف إلى الياء ثلاث مرات على الأقل قبل بدء الامتحانات، وظللت حريصا على تفادي المذاكرة الجماعية أو حتى مع شخص واحد لأن مثل هذا النوع من المذاكرة تتعالى فيه الصيحات المطالبة بـ«بريك/ استراحة».. إيه رأيكم نشرب شاي.. أنا جعان.. أنا غلبان، ولكنني لم أكن أتردد في طلب العون من زميل أعرف أن فهمه لمادة أكاديمية ما أفضل من فهمي لها، وكان من أساليب المذاكرة الناجعة عندي التطوع لمساعدة زميل في فهم أمور معينة، لأن قيامك بالشرح نوع من اجترار مخزون الذاكرة، بل ينعش الذاكرة ولو أتقنت الشرح لمن يحتاج المساعدة تدرك أنك «فاهم الشغلانة» وتتعزز ثقتك بنفسك.
وبعكس معظم زملائي كنت في اليوم الذي يسبق أي امتحان أختبر نفسي بسرعة في ضوء ملخصات وهوامش أكتبها خلال فترة المذاكرة المكثفة، ثم أتوجه إلى السينما، وبحلول العاشرة (أعطيها نومة) لا أصحو منها إلا قبل موعد الامتحان بساعة واحدة اي بمهلة تكفي للاستحمام وشرب الشاي ثم التوجه إلى قاعة الامتحانات الرهيبة.. نعم رهيبة لأنها تتسع لأكثر من ألف طالب، وكان يدخلها في توقيت واحد طلاب من عدة كليات، ولكل كلية صفوف محددة من الأماكن، وبسبب صرامة النظام الأكاديمي في الجامعة، لم تكن اي فترة امتحان تخلو من أصوات مثل: كررررب كركررب، فتعرف أن شخصا سقط مغمى عليه، أو: آآآآآي آآآآآخ وتصدر عن شخص أصيب بلوثة عقلية مؤقتة أو مستديمة، وشفت بعيني ما حدش قال لي طالبا ينادي المراقب خلال امتحان ليشكو من الدخان المتصاعد من ورقة الأسئلة، (عاصرت عددا من الطلاب أصيبوا باضطرابات نفسية جعلتهم يهجرون الجامعة وكان في كلية القانون شاب نوبي نابغة فقد قواه العقلية تماما بسبب ضغط الامتحانات، وفي كلية الطب قتل طالب زميله في السكن في موسم الامتحانات)، ولهذا كانت هناك سيارة إسعاف أنيقة ترابط أمام قاعة الامتحانات حتى خروج آخر طالب/ طالبة منها.
وكان الطبيب الذي يدير المركز الصحي للجامعة (وكان موقعه في الداخليات المسماة البركس لأنها كانت الصين الشعبية بسبب كثافة السكان) أستاذا في كلية الطب بالجامعة، يعاونه «مساعد حكيم» اسمه محجوب فضل المولى، الذي كنا نثق بتشخيصاته ووصفاته الدوائية أكثر من ثقتنا بأستاذ الطب، وكانت بداخلية الطالبات أيضا عيادة خاصة بهن، وكانت جميع صنوف الأدوية الأساسية متوفرة في العيادتين، ولأن عم محجوب كان من أهلي من جزيرة بدين فقد كان «يتوصى» بي، ويكتب تقريرا بأنني بحاجة إلى تغذية خاصة (سبيشال ميل): دجاج أو لحم مشوي مع شوربة، وتقريره «أوامر».
وبالمناسبة فقد كانت الجامعة تعد لكل طالب أجنبي نوع الوجبات الشائعة في بلده.

[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

Exit mobile version