تعاطي السياسة السودانية بمنطق الطير

[CENTER][B][SIZE=5] تعاطي السياسة السودانية بمنطق الطير [/SIZE][/B][/CENTER] [SIZE=5] آلاف القصص تحكي عن مفهوم الحرية والتحرر في الآداب القديمة والحديثة ترجع في رمزيتها لعشق الطيور لهذه العقيدة الاجتماعية، ومن ثم تناولها عند الإنسان فكرياً وأدبياً وسياسياً. وارتباط الإنسان المتطلّع إلى الحرية وتشبيهه بالطير جاء لما للأخير من مقدرة على تجسيد المفهوم على أجمل وجه ولما للإنسان من نزوع دائم نحو تحقيق حريته بتفعيل قدرته على الاختيار دون تقييد أو تحديد. وبتحليق الفكر الإنساني على مرّ الزمن حول تعريف الحرية، نجد أنّ المعنى الواضح يتجسد في الفكرة التي آمن بها سارتر فوصفها بأنها “كموقف إنساني هي فعل حر وتغيير يصنعه الإنسان لنفسه بيقظة وانتباه ووعي”.

وفي الأدب السياسي ارتبط مفهوم الحرية بأشكال النضال الاجتماعي والفكري وضرورة وجودهما في تربة خصبة صالحة ينمو فيها فعل النضال السياسي حتى تتحقق الحرية المأمولة. أما الموسوعة الأكبر والتي تشمل هذا المفهوم بين جنباتها فهي متضمنة لما تردد في الثقافة الشعبية سواء أكانت أدبية أو فنية. أفلحت هذه الثقافة في تحويل السياسة إلى فعلٍ شعبي لا يقتصر على صوالين النخب المختلفة. فمفهوم الحرية مثلاً أحد أهمّ مطالب الفعل السياسي، يتكشّف صراحة في الأدب السياسي باعتبار أنّه مطلب شعبي نبيل، إلّا أنّه في مجال الفن يتدثر تحت رمزية الطير مثلاً ونشاطه بسبب التعقيدات الاجتماعية المحيطة بفعل العاطفة كحق إنساني ناهيك عن الحرية في التحدث عنها أو فعلها علانية.

يتجلى هنا التوق السياسي السوداني بلد البحث الدائب عن الحريات، في تشبيه بعض الكتاب الصحفيين لهجرة السياسيين من داخل الأحزاب السياسية التاريخية إلى الانضمام لحزب المؤتمر الوطني الحاكم بأنها كهجرة الطيور الموسمية. قد يكون في هذا التشبيه كثير من الظلم والتجني الكبير على الطيور البريئة، فللطيور بضع أشكال لرحلات مقدسة يحفظها العلم والتاريخ. أما رحلاتها كما لاحظها العلماء فهي تتمثل في هجرتها الموسمية الجماعية تبعاً لفصول السنة، بحثاً عن معيشة أفضل وللتزاوج والتوالد والاحتماء من هجير الصيف أو برد الشتاء. وهذا سعي فطري وحق طبيعي كفله لها الخالق عزّ وجل وعلمها كيف تبحث عن ظروف حياة أفضل دون استغلال أو تملق لكائن آخر. ولكن ما فعله السياسيون من تبديل لجلدهم الحزبي تبعاً للمصلحة الخاصة وبشكل وصولي باحث عن المناصب، حتى أنّ قيادات منهم صرّحت للصحف بلهجة تبريرية: (إن العضوية في الأحزاب ليست زواجاً كاثوليكياً …)، كل هذا يباعد بينهم وبين صفة الطيور وقصدها النبيل من الهجرة.

أما الرحلة المقدسة للطيور والتي رسخت في الأذهان فهي ما دوَّنها التاريخ في الأثر للعالم الفارسي الشيخ فريد الدين العطار تحت اسم “منطق الطير” وهي تحكي كما وردت في كتابه :”عن جمع من الطيور عزموا على السفر بعشق وشوق وشغف، تحت قيادة وهداية الهدهد، بحثاً عن رؤية “السيمرغ” أي المعشوق. لكن كثيراً منهم بحث عن عذر للرجوع عن الرحلة وعدم مواصلة السفر، ولم يبق منهم إلّا ثلاثون طيراً طووا سبعة أودية ليصلوا في النهاية إلى مقام السيمرغ و طلبوا رؤيته، فكان الجواب أن لن تروني. هناك سقطوا أمواتاً عن حياتهم المادية، وعندما فتحوا أعينهم في عالمهم الباطني شاهدوا المعشوق وصار معلوماً لهم آنذاك أن السيمرغ الكبير الذي كان هدف بحثهم ما هو إلّا أصل واقعيتهم الوجودي” .

كانت تلك هي الرحلة المقدسة للطير، فهل رحلة أعضاء الأحزاب السودانية العريقة تسمو بأي شكل من الأشكال إلى آفاق الرحلة المقدسة لمعرفة أغوار النفس كما عند طير الشيخ العطّار. اللهم إلّا إذا كان السيمرغ “المؤتمر الوطني” معشوق الأحزاب المتحولّة، يسير سيراً باطنياً لا يراه سواه ليتكشف لنا في النهاية سر الحقيقة. والحقيقة بالتالي لو أسقطناها على الحزب المهاجر من قصة “منطق الطير” لاستوجبت حدوث البقاء بحدوث الفناء، فهل نحن موعودون بفناء الأحزاب داخل المؤتمر الوطني حتى تتحقق رحلة العشق الصوفية!
[/SIZE]

الكاتب : منى عبد الفتاح

Exit mobile version