أعتقد أن قطاعي الصحة والتعليم ينبغي أن يحظيا باهتمام أي حكومة رشيدة، واعتقد أن جيلنا الذي تلقى تعليمه في عصر كان فيه اقتناء قلم حبر جاف، بمثابة امتلاك ساعة رولكس في هذا الزمان، حظي بتعليم جيد جدا، ورعاية صحية أكثر من معقولة في حدود ما كان متاحا في عالم الطب والأدوية، ولدتنا أمهاتنا ونحن «مستورين»، يعني لم يرنا أحد، أو يعرف ما إذا كنا ذكورا أو إناثا إلا بعد أن أكملت الدايات مهامهن، لأنه لم يكن ممكنا ان يتجسس علينا أحد بجهاز الموجات الصوتية، ويقول للأب والأم: هذا هو القلب شغال تمام، واليدان والساقان مكتملتان، و… هل تتمنونه ولدا أو بنتا.. ألف مبروك.. ولد/ بنت (وربما بسبب هذه «الفُرْجة» صار اسمه التلفزيون في العالم العربي)، وأنجبت أمي ثلاث بنات ومثلهن من الأولاد (أمد الله في أعمارهم)، من دون ان تسمع بكلمة «غايني» وهي الاختصار او اسم الدلع لاختصاصي أمراض النساء والولادة gynecologist، بل لم أسمع وأنا ابن القرن العشرين بهذا التخصص إلا قبل ترقيتي إلى «أب» بشهور قليلة، ولم تتناول أمي أقراص كالسيوم أو فوليك آسيد أو «حديد»، وخرجنا وإخوتي مثل معظم أبناء جيلنا سالمين وكاملين، ورضعنا اللبن المبستر من أمهاتنا، وليس من الأبقار بواسطة شركات تجفيف وتعليب الألبان (ولهذا يبنغي ألا يرفع عيال النيدو صوتهم أمامنا نحن الذين تربينا على لبن البشر وليس البقر، كما هو حالهم، كما ينبغي ألا يغضبوا إذا قلنا لهم إن لهم عجولا إخوة في الرضاع)، وعند بلوغنا مرحلة الفطام لم يكن هناك سريلاك أو سيملاك أو تفاح مسلوق أو بالبشاميل، بل كان هناك الفول والعدس، وكانت هناك الملوخية والويكة (البامية المجففة المسحونة)، ولهذا مازالت بطوننا قادرة على هضم الزلط، بينما يتم نقل شباب اليوم الى أقسام العناية الفائقة في المستشفيات إذا أكل الواحد منهم قطعة لحم ظلت خارج الثلاجة لثلاث ساعات، لأن البطون صارت هشة ولا تستطيع التصدي لباكتيريا السالمونيلا، بينما كانت هذه الباكتيريا تحترم نفسها وتخشى التهلكة إذا تسللت إلى بطوننا وتبحث عن ملاذ آمن في تلافيف القولون.
ولم أسمع شخصا يقول لي «هابي بيرثداي يا جميل» أو حتى «يا شين يا دميم»، ولم يذق 99,8% من بنات وأولاد جيلي التورته إلا بعد دخولهم الحياة العملية، (وبعضهم بعد أن صاروا أمهات وآباء)، ومن باب ترشيد الانفاق لم يعرف بيتنا على عهود طفولتي وطفولة إخوتي «باربي» فتاة البلاستيك المدللة التي لا ترضى بأقل من أربع «لبسات» ما بين فساتين وبلوزات وسكيرتات، ورفض أبي شراء آيباد لي ولإخوتي، وكانت حجته أنه لا يمكن ان يسمح لعياله بامتلاك شيء أسماه مخترعه «باد»، بل كانت البنات يصنعن العرائس بأنفسهن من قطع القماش البالية، كما كنا نحن الأولاد نصنع السيارات من علب الصلصة المعدنية الصغيرة.
لم نخضع للتطعيم ضد الحصبة والسعال الديكي وشلل الاطفال والتايفويد، وخضع معظم من هم دون الثلاثين في يومنا هذا إلى ذلك النوع من التطعيم، ثم يصاب الواحد منهم بالحصبة فيقول له الطبيب: هذه حصبة ألمانية.. بالذمة دا كلام؟ يعني ما عندكم من بلاوي لا يكفيكم.. فهمنا استيراد السيارات، والقمح والبندول ومعجون الاسنان، فهل بلغ بكم هوس الاستيراد أن تأتوا بحصبة من ألمانيا.. ثم ماذا بعد؟ إسهال من الهند؟ تسوس أسنان من سويسرا؟ بالمناسبة كان أهلنا النوبيون في شمال السودان يبخرون الطفل المصاب بالحصبة بالـ«تِبتّي» وهو البرش القديم، وبمجرد ملامسة دخان السعف القديم لجسم المصاب يتوقف «الأكلان» وتنطفئ حبيبات الحصبة.. بس لماذا برش قديم؟ مش عارف.
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
