سنة أولى تدريس

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] سنة أولى تدريس [/B][/CENTER]

وذهبت إلى (سِنَّار) للتدريس في مدرستها الثانوية، كامرأة مظلومة تساق إلى بيت الطاعة، ونزلت وزميل الدراسة «سعد» الذي كان قد تم تعيينه مدرسا للجغرافيا بنفس المدرسة في الفندق الوحيد في المدينة، كان مبنى يحمل اسم فندق، ولكنه كان أقرب إلى السوق الشعبي العشوائي: أسرَّة عتيقة موزعة عشوائيا في الحوش وغرف ذكرتني بالأعرابي الذي حل ضيفا على رجل في بيت مكعكع، وسمع طقطقة متكررة في أعواد خشب السقف، فطمأنه صاحب البيت: هذا الصوت الصادر من الأعواد تسبيح بحمد الله، فقال العربي: أخشى أن تخر ساجدة، وحل المساء فخرجنا نتمشى في سوق المدينة، فاستوقفنا شاب وطرح علينا سؤالا أدهشنا: أنتم أساتذة جدد في المدرسة الثانوية؟ كيف عرف ذلك وخبر نقلنا إلى سنار لم يتم بثه من سي إن إن، ولم نذكر عنه شيئا في صفحاتنا في فيسبوك أو حساباتنا في تويتر؟ وبما أن كلينا لم يكن قد مارس التدريس من قبل فقد حسبنا أن للمدرس سيماء معينة يعرفهم بها أهل سنار! وكانت المفاجأة الأجمل أن ذلك الشاب كان طالبا في نفس المدرسة الثانوية التي أتينا للعمل فيها، وطاف بنا حول السوق، وانضم إلينا نحو سبعة شبان من أهل المدينة، وكان قرارهم بالإجماع أنه «عيب في حقنا أنكم تكونوا ضيوف علينا وتنزلوا في فندق»، وساعدنا على التملص من الإقامة في بيت اي من أفراد الشلة تلك، أنهم اختلفوا في ما بينهم حول من منهم ينال «شرف إكرام الضيوف»، وانتهى الجدال بأن أتوا بعدد من الكراسي رصوها على ساتر ترابي يحمي المدينة من فيضان النيل الأزرق، وأكلت ليلتها سمكا ودجاجا يعادل في كميته ما أكلته منها في سنوات عمري المنصرمة (استغفر الله ففي مدينة كوستي حيث استقرت عائلتنا كان السمك والموز والبطيخ والشمام طعام العامة)، وكان اسم ذلك الطالب «الرشيد»، وكيف تنسى شخصا كهذا. في اليوم التالي ذهبنا إلى المدرسة وكانت إدارتها قد جهزت لنا سلفا مساكن لائقة، ففي كل المدارس الثانوية خارج الخرطوم كان لكل مدرسة ثانوية مساكن تابعة لها للمعلمين والإداريين، بل حتى المدارس الابتدائية في الأرياف كانت بها مبانٍ حكومية لإسكان المعلمين، لأن معظمهم يكون غريبا عن المنطقة التي تضم المدرسة، وكانت مدرسة سنار الثانوية التي أتيت لممارسة الحلاقة على رؤوس طلابها (لأني مدرس جديد من الوكالة)، جميلة البناء والتخطيط، وتوفر المسكن والطعام لجميع طلابها القادمين من القرى المجاورة، وأحاطتنا إدارة المدرسة وقدامى المدرسين بالرعاية وحسن الضيافة، وبعد جولتين في المدينة، أدركت أن بها جماليات لن تحلم بها الخرطوم لعدة قرون، فمثل كل المدن الإقليمية كان معظم أهل المدينة من سكانها «الأصليين»، والأصالة في مثل هذه الحالات لا تنشأ بالميلاد «أباً عن جد»، بل بـ «الانتماء»، وتجلت أصالتهم في احتفائهم على نحو خاص بكل من يحل بالمدينة ضيفا للعمل فيها، وكان بالمدينة تجار ورجال أعمال كثيرون وفدوا إليها من أقاليم أخرى، ولكنهم اتخذوا منها وطنا واستقروا فيها، وكان في المدينة شيخ سدود وخزانات السودان ولا شيء يعدل متعة مشاهدة اندفاع المياه من بوابات الخزان كالقطن المندوف، وكانت هناك حديقة عامة ضخمة وبديعة بها قرود خفيفة الظل تسرق الكحل من العين. وكانت سنار تعيش حالة من الرخاء والانتعاش التجاري الذي يليق بمدينة كانت حاضرة أول سلطنة «إسلامية» بعد سقوط الأندلس (السلطنة الزرقاء)، وكان ذلك يعني أن رواتبنا تفيض عن حاجاتنا، وبما أنه لم تكن بنا ثقة بالبنوك فقد كنا نضع مدخراتنا تحت المخدة، وأذكر أنني وفي إجازة التيرم (الفصل) الأول توجهت من سنار إلى بيتنا في كوستي محملا بأثاث جديد، فكان الطلاق بين أسرتي والعنقريب السوداني وهو السرير المصنوع من حبال مشدودة على إطار وأرجل خشبية فحققت بذلك طفرة عائلية «حضارية».
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

Exit mobile version