خطوات الحوار
لا تبدو الصورة على كل الأحوال والأصعدة جيدة، لكنَّ شيئاً خير من لا شيء.. فلجنة «7+7» للحوار الوطني ستعلن في مؤتمر صحفي اليوم عن خريطة طريق لترتيبات مؤتمر الحوار الوطني وما توصلت إليه من خلال اجتماعاتها التي عقدت في الفترة الماضية.. وبات واضحاً أن الحوار الوطني سيمضي وسيعقد مؤتمره بمن حضر وليس بكل الغرماء السياسيين، فاليسار بكل بطونه وأفخاذه وأذنابه مقاطع ومناهض للفكرة والمبادرة من أساسها… وحزب الأمة القومي متلجلج واختار طريقاً قد لا يقوده في النهاية إلى المحطة عند خاتمة المطاف الحواري، والحركات التي تحمل السلاح لديها خيارات أخرى، ولم تفلح جهود استقطابها منذ إطلاق الدعوة في يناير الماضي.
لكن لا يمكن الانتظار إلى ما لا نهاية حتى تتفق القوى السياسية على الحوار، كما أن الأهم منها جميعاً هي القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الرئيسة في تهدئة الأوضاع وتعميق الوفاق والحوار بين قطاعات وفئات المجتمع وصناعة السلام والاستقرار.
لكن العبرة في نهاية الأمر بالنتائج، فإذا كانت خريطة الطريق التي ستُعلن اليوم مشجعة وتقود إلى مؤتمر ناجح يستطيع مخاطبة كل القضايا الشائكة في البلاد والاهتداء إلى حلول جذرية للمشكل السياسي والاجتماعي ووضع الأقدام على الطريق من أجل لجم الحرب ووقفها وتحقيق السلام، فإن الجميع سيجد نفسه عند عتبات الحوار.. ويمكن أن تلتئم لحمة الأمة من جديد وتبعد الذاتيات والمصالح الشخصية والأجندة الخاصة.
لكن الملاحظ أن لجنة «7+7» ضنينة بما عندها من أفكار ومعلومات ولم تدلق على الساحة العامة الكثير من مداولاتها وخلاصات مناقشاتها، فقد جعلت كل ما يدور بعيداً عن أعين الشعب إلا من تصريحات ضئيلة لا تروي الغليل، تقال عند نهاية الاجتماعات الليلية الطويلة وصارت كأنها لجنة بكماء تعكف على فعل كبير.. فلننتظر ما تقوله اليوم ونحكم عليها بما هو مخبوء تحت لسانها.
طريق الإنقاذ الغربي
فوجئنا أمام الصحيفة عندما وجدنا عربة صغيرة تحمل لوحة ترخيص ولاية شمال دارفور، يعلوها غبار وملامح سفر طويل، وفوجئنا أكثر عندما وجدنا مراسل صحيفة «الإنتباهة» في شمال دارفور الاستاذ مالك دهب ينزل من سيارته ويعلن أنه قادم بهذه السيارة الصغيرة من مدينة الفاشر عبر طريق الإنقاذ الغربي الذي هو على مشارف الفاشر على بعد بضع وعشرين كليومتراً فقط!!
وطافت أمامنا صور ومعالم وخواطر كثيرة في تلك اللحظة التي كنا نظن فيها أن طريق الإنقاذ الغربي الذي أقام الدنيا ولم يقعدها وملأها وشغل الناس، لن يصل إلى الفاشر في ظل الظروف التي اكتنفته، وأنه صار مثل الغول والعنقاء والخل الوفي.
لكن الطريق وصل بالفعل، وأخيراً وفي صمت ودون جلبة إلى دارفور.. وليس هناك مشروع تنموي وخدمي في تاريخ السودان أُثيرت حوله الضجة الكبرى والجدل والخصام والشكوك مثل هذا الطريق، الذي كان واحداً من أهم أسباب التخلف التنموي والخدمي في دارفور، واُستخدم ذريعةً للتمرد على الدولة واُعتبر سبباً من أسباب التهميش والإهمال، وادغمته الحركات المتمردة في أدبياتها وخطابها، وتوحدت حوله كل آراء وأفكار وتطلعات أبناء دارفور من أقصاها إلى قصاها.. وحتى عندما انقسم المؤتمر والحركة الإسلامية تراشق الطرفان باتهامات متعلقة بالطريق، وولدت من رحمه تلك
العبارة التي صارت أشهر من نار على علم، للدكتور علي الحاج الذي كان مسؤولاً عن تنفيذ الطريق.. «خلوها مستورة»، ومازالت التهم تلاحق الرجل رغم تبرئته من أية جريرة تتعلق بتنفيذ الطريق.. لكن ظل ما في القلب في القلب من حسرة وأسى وغبن وحنق وانقباض.
المهم وصل الطريق إلى الفاشر .. وسيكون مردوده على السودان كله ضخماً.. وستعود دارفور إلى دورة الاقتصاد السوداني كما ظل يقول باستمرار صديقنا الدكتور خالد التيجاني.. وستنتعش المدن والقرى التي يمر بها الطريق، وتعود التجارة إلى سابق عهدها.. وستصل منتجات دارفور الزراعية والحيوانية إلى كل مناطق السودان بسهولة ويسر.. وسيسهم الطريق في تخفيف الأعباء المعيشية، وسيعود للمجتمع ترابطه القديم، حيث منعت الظروف الأمنية وصعوبة السفر وغلاء السفر الجوي كثيراً من الأسر من التواصل المستمر، وزهد الناس في المخاطرة.. وربما يطل الماضي القديم لدارفور بوصفها منطقة إنتاج وتجارة ورابطاً بين السودان وغرب ووسط إفريقيا.
وأثر الطرق يعيشه الناس ويحسونه في كل حيواتهم، وعلى الدولة أن تولي اهتماماً أكبر بالطرق فهي عماد النهضة وعمودها الفقري، فليست هناك حاجة ملحة اليوم في بلدنا أهم من الطرق لنعوض ما فاتنا ونلحق بقطار التقدم، فالمدن الأمريكية في تاريخ الولايات المتحدة قامت على نهايات الطرق وحولها، وكانت تشيِّد الطرق في كل الاتجاهات قبل نشأة المدن والقرى.
وبوصول الطريق للفاشر نتوقع أن تهتم الدولة بهذا الحدث الضخم، ببعده السياسي الداخلي والخارجي وأثره الأمني والاقتصادي ودوره الاجتماعي، فالحكومة أنجزت الطريق في ظل ظروف أمنية معقدة وهجمات الحركات المتمردة على الشركات العامة ونهب الآليات وخطف المهندسين والعمال وخاصة منسوبي الشركات الصينية التي نفذت الطريق.. فعلى الحكومة ألا تجعل منه حدثاً باهتاً، فهذا إنجاز كبير لا يماثله ويضارعه إنجاز آخر.
عيد الجيش
تحتفل القوات المسلحة هذه الأيام بالعيد الستين لها، وهي مناسبة عظيمة بعظمة هذه المؤسسة ودورها الوطني الذي لعبته في الحفاظ على البلاد وحماية ترابها وصيانة مصالحها وحراسة السلام والأمن والاستقرار، وتلك مهمة عسيرة وشاقة قامت بها القوات المسلحة على أكمل وجه منذ تأسيسها كجيش وطني، وكل الإخفاقات التي حدثت والتطورات والأزمات التي شهدها السودان، كانت السياسة وليست القوات المسلحة سبباً فيها.
ويكفينا فخراً في بلادنا بقواتنا المسلحة أنها الجيش الوحيد في المنطقة الذي لم ينهر ويسقط مثل الجيوش التي حولنا في القارة الإفريقية والدول العربية، ولو لم تكن قوية العظم والإرادة ومؤسسة راسخة وصامدة لانهارت كما انهارت الجيوش التي كنا نظنها أكثر قوةً وصلابةً ومتانةً.. وذلك يعود إلى أنها وليدة الشعب السوداني، فتماسك السودانيين وترابطهم وقيمهم وموروثاتهم الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم وتمسكهم بها وصدق إرادتهم وصلابة معدنهم جعل القوات المسلحة تكون تجسيداً له وتعبيراً عنه.. فما أحرانا بالفخر بهذا الجيش.
طائر الثبغطر
بدأت المجتمعات العربية التقليدية تتغير، وبدأت تحس بما يدور حولها، وفي روايته الجديدة يميط الروائي السعودي الدكتور عبد الله بن أحمد الفيفي، اللثام عما يدور في المجتمعات العربية من ناحية مفاهيمية للتاريخ والحياة والقيم الدينية والأفكار التي عاشتها هذه المجتمعات، والمفاهيم التي صاغتها عبر الحقب الزمانية المختلفة وتطلعاتها نحو المستقبل.
طائر الثبغطر.. والاسم غريب لطائر موجود في الخيال الشعبي والقصصي في مناطق الجزيرة العربية في صحرائها وجبالها وبواديها، وهو طائر غريب الأطوار غامض لا ينام ولا وطن له ولا مكان ولا تُعرف له جذور ولا فصيلة ولا حتى معنى وتفسير لاسمه الغريب.. وجعل المؤلف في روايته «طائر الثبغطر.. مذكرات نبي مجنون».. هذا الحيوان المتخيل أداة تنقيب في الواقع العربي واتجاهات التطور والبناء والقيم الجديدة، وكيف ينظر العقل العربي الحديث إلى آفاق التطور السياسي والاجتماعي والقيم الاقتصادية والثقافية السائدة وربطها بالماضي والحاضر.
عمل روائي في قالب سهل وعميق في آن واحد.. لكنه يكشف ما وراء التغييرات الاجتماعية والفكرية التي تتفاعل داخل المجتمعات الخليجية بالأخص، والعربية بشكل عام.
[/JUSTIFY][/SIZE]
أما قبل – الصادق الرزيقي
صحيفة الإنتباهة
