وبدأ صدام الحضارات

[SIZE=5][JUSTIFY][CENTER][B] وبدأ صدام الحضارات [/B][/CENTER]

وطرنا إلى لندن عبر فرانكفورت، على متن طائرة الخطوط الجوية السودانية، عندما كانت لديها طائرات قادرة على الطيران إلى أوروبا وآسيا ووسط وجنوب إفريقيا، واستغرقت الرحلة نحو عشر ساعات، وفي مطار هيثرو بدأ «صدام الحضارات»، وهي العبارة التي سرقها من تجربتي أستاذ العلوم السياسية الأمريكي، سامويل هنتنغتون، فأصدر كتابا في مطلع تسعينيات القرن الماضي، بذلك الاسم، وتمت ترجمة كلاش/clash خطأ إلى «صراع» في حين أن الصراع هو الـ«conflict/ كونفلِكْت»، وخلاصة ما قاله هنتنغتون هو أن الصدام في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة سيكون بين الثقافات والديانات، بينما كان لي شرف بدء الصدام والحرب الباردة في أعلى درجات الغليان، ففي مطار هيثرو حدث تحرش بي القرن العشرين، وكنت أحسب أنني قمت بتطبيع العلاقات معه، بانتقالي من القرية الى الخرطوم، بتناولي الآيسكريم والبقلاوة ودخول دور السينما واقتناء حذاء مصنوع في إيطاليا، وركوب تاكسيات مصنوعة في بريطانيا.
المهم هبطت الطائرة في مطار هيثرو، وكنت وزملائي المبتعثين نراقب ما يفعله الآخرون، وهذا ما يفعله كل شخص يمرّ بتجربة جديدة، فعند أول رحلة جوية لأيّ إنسان تظل عيناه على من حوله، ويفعل كل ما يفعلونه وإذا توجهت المجموعة التي يحرص على تقليدها في الحركة والسكون إلى بوابة ما تبعهم، إلى أن يفاجأ بموظف يقول له: هذه طائرة متجهة إلى موسكو وأنت مسافر إلى أديس أبابا، فاذهب الى البوابة التي تخصّك، فتحس بغرور ممزوج بالحيرة: هل أنا مهمّ بدرجة أن يخصصوا لي بوابة أسافر عبرها؟ هل أنا من الفئة المسماة دي في دي .. أقصد دي دي تي.. أم هي في آي بي؟ ويحدث نفس الشيء عندما تدخل مطعما على الطراز الأوروبي لأول مرة بعد أن كنت تتناول الطعام بيديك طوال عمرك.. نفضوا الفوطة؟ تنفض الفوطة.. رشوا الملح من وعاء صغير أنيق؟ تفعل نفس الشيء ولكن لماذا طلع ملحك أسود؟ وبعد عطسة تكتشف أنك تناولت وعاء الفلفل، وتراقب كيفية إمساكهم بالشوكة والسكين، وتحاول محاكاة أسلوبهم في تقطيع اللحم، وفجأة: إما طارت الشوكة من يدك أو طارت قطعة من اللحم وسقطت على ملابسك، فتتصبب عرقا وتتمنى لو أنك اكتفيت بطلب شوربة لأن استخدام الملعقة لا يتطلب مهارات عالية.
بدأ صدام الحضارات مع الاسكاليتر (السلم الكهربائي)، فقد سرنا داخل المطار جيئة وذهابا نحو ثلاث ساعات لنجد وسيلة للصعود الى الطابق العلوي حيث الجمارك وجماعة الجوازات، ولكن هيهات، وراقبنا الناس وهم يضعون أرجلهم في أول درجات الاسكاليتر، فيتحرك بهم ثم يختفون عن الأنظار. بصراحة لم يكن مشهدا مطمئنا، ولحسن حظنا لم يكن صدام الحضارات وقتها قد بلغ مرحلة التفجيرات والقتل العشوائي واعتبار كل مسلم ارهابيا محترفا أو تحت التمرين، ويبدو أن أحد موظفي المطار شكّ في أمرنا بعد أن رآنا نقطع ساحة المطار جيئة وذهابا فسألنا ما إذا كان بإمكانه أن يقدم لنا أي «هيلب»، فقلت له: نحن في الواقع بحاجة إلى «هِلب» من النوع الذي يستخدم لجرّ وتثبيت السفن لرفعنا الى الطابق العلوي، فأشار إلى الإسكاليتر، فقلت له: ما في خيارات؟ فقال: نو… آي آم نوت جورج قرداحي.. قو تو ذي إسكاليتر، فقلنا إنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وبعد معاناة وفضائح بعضها موجود في يوتيوب، نجحنا في الصعود إلى أعلى، ووصلنا صالة الجمارك والعرق ينزف من كل مسامات أجسامنا.
[/JUSTIFY][/SIZE]

جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]

Exit mobile version