كلفني بعض القراء السودانيين بالاحتجاج لدى هيئة تحرير هذه الصحيفة، لأنهم لاحظوا أن كُتّابها غير معنيين بالشؤون السودانية، ولم يفتح الله عليهم بكلمة عن الضحايا السودانيين خلال الشهرين الماضيين؟ فسألتهم: هل هاجمت إسرائيل أي جزء من السودان خلال الفترة المذكورة ولم يعطني أحد «خبرا» عن ذلك؟ صاحوا في صوت واحد: تعرض السودان لهجمات جوية متكررة ولكن ليس من قِبَل إسرائيل، وحصد عزرائيل عشرات الأرواح. قلت لهم: يا جماعة عيب أن تتحدثوا عن عزرائيل عليه السلام وكأنه عدوّ يستهدف السودانيين دون غيرهم، و… قاطعوني: هل أصبحت داعشيا وتقوِّلنا ما لم نقله؟ نحن نقصد ميكائيل و.. قاطعتهم بدوري: كيف جعلتم الملك الطاهر ميكائيل الموكل إليه أمر المطر وما يترتب عليه من خير، مسؤولا عن سقوط ضحايا في بلادكم؟ وبعد جدل طويل شرحوا لي مقصدهم: أغدق الله علينا بواسطة ميكائيل المطر العميم، ولكن التعامل الرسمي العقيم مع هبة الرحمن الرحيم حوّل النعمة إلى نقمة، وفي الخرطوم وحدها دمرت السيول والأمطار من البيوت في يوم واحد ما لم تدمره الغارات الإسرائيلية على غزة في أسبوعين. هنا أدركت أن أولئك القراء معهم بعض الحق، فبما أن السودان عضو في جامعة الدول «العبربية»، (باعتبار ما هو كائن ولكن غير معلن) فقد كان من اللائق أن يجبر الكتاب الصحفيون والقادة العرب خاطر السودانيين ببعض الفاليوم اللفظي: نستنكر أمطار السودان وفيضان نهر النيل.. السودان الشقيق يتعرض لمؤامرة أثيوبية بإيعاز من قوى صهيونية – أمريكية. والشاهد يا أعزائي هو أن حكومة السودان صارت تتعامل مع الأمطار باعتبارها كارثة، بل يقال إنها تتهم الشيوعيين بأداء صلاة الاستسقاء حتى تهطل الأمطار بغزارة وتحرجها أمام المواطنين، بكشف عجزها حتى عن شقّ مصارف المياه، وإعادة تأهيل المصارف الموجودة منذ عهد الحكم الاستعماري.
ومن ثم فإن السودانيين معهم الحق في اتهام الإعلام العربي بأنه يتعمد تجاهلهم بالتركيز على غزة وداعش، ومنهم من يقول إنه كان من الإنصاف أن تخصص نصف مواد الإغاثة التي يجري إرسالها الى غزة، للسودان، وأجدني متفقا إلى حدّ كبير مع وجهة النظر هذه، بل لا أفهم لماذا تنعقد اجتماعات ومظاهرات دعما لغزة، مع أنّه لو تم تكليف السودانيين وحدهم بتحرير كامل فلسطين لأنجزوا تلك المهمة من دون توريط حكومتهم في مواجهة مع إسرائيل، فنحن بدون فخر في طليعة الدول المنتجة لحركات «التحرير»، ولدينا نحو عشرين تنظيما لـ«تحرير السودان»، (بينما الفلسطينيون لا يملكون سوى نحو أربع منظمات تزعم أنها «تحريرية»، بينما هي في واقع الأمر شفهية)، ولو أوكلت مهمة تحرير فلسطين لنحو عشر من حركات التحرير السودانية بنظام المقاولة، لما وقع القادة العرب في حرج، بسبب اضطرارهم الى ممارسة اللغو وتكبد عناء السفر لعقد اجتماعات كلما حلت بالفلسطينيين مصيبة جديدة.
والشاهد يا أسرة «أخبار الخليج» هو أنه لا يجوز نسيان أن السودان يتعرض لهجمات «جوية» استوائية، ولا يهم ما إذا كانت وراءها داعش أو نتنياهو أو المالكي، بل المهم أنها تسببت في فقدان عشرات الأرواح وتشريد عشرات الآلاف من الأسر، والوضع مأساوي بدرجة أن من السودانيين من يظن أن الشاعر العراقي معروف الرصافي كان يتكلم عنهم عندما كتب قبل نحو ثمانين سنة: من أين يرجى للبلاد تقدمٌ/ وسبيل ممتلكيه غير سبيله. وقوله أيضا: علمٌ ودستورٌ ومجلس أمةٍ (كلٌ عن المعنى الصحيح محرَّفُ) أسماء ليس لنا سوى ألفاظها (أما معانيها فليست تعرفُ) من يقرأ الدستورَ يعلم أنه وفقا لصك «الانقلاب» مصنفُ.
[/JUSTIFY][/SIZE]
جعفر عباس
[email]jafabbas19@gmail.com[/email]
