الترابي رحمه الله

[JUSTIFY]يقول محمد أركون في كتابه الموسوم بــ (تاريخية الفكر العربي الإسلامي) ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت، الطبعة الأولى، 1986، ص 21. “إن التراث الإسلامي – منذ انبثاقه في لحظاته التأسيسية الأولى- لم يعالج ضمن إطار التحليل والفهم النقدي، والذي من شأنه أن يزيح اللثام عن المنشأ التاريخي للوعي الإسلامي وتشكل بينيته. والحال أن كل ما أنتج في فترة ما يسميه أركون بالعصر التدشيني قد انصب كله على النص الديني، ففي “هذه الفترة ظهرت علوم الفقه وعلوم الشريعة.. الخ، ودخلت الفلسفة إلى البيئة الإسلامية، وحاول جل الفلاسفة الجمع ما بين العقل الديني والعقل الفلسفي عبر تأويل النص الديني”.

ورغم الدأب الشديد لمريدي زعيم الإسلامويين السودانيين وعرابهم الأكبر (حسن الترابي) على تصويره كمجدد في الفكر الديني ومجتهد في اجتراح تفاسير جديدة تتسق مع وقائع الحياة المتطورة إلا أنني لا أرى شيئاً من ذلك، بل ربما أجدني مطمئناً وأنا أدفع بالقول بأنني لا أعد الرجل مفكراً ولا مفسراً (بالمرّة)، بل أكثر من ذلك، فهو – من وجهة نظري – سياسي متعصب وإقصائي لا يقبل الحوار حول أفكاره وبرامجه (في حدها الأدني) المتناثر والمبعثر، إذ يعتقد بأن كل ما يقول ويكتب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إلى حد يوحي إليك بأنه يعتقد في خويصة نفسه بقداسة ما يطرحه، وبالتالي كثيراً ما يبدو شرساً وساخراً بـ (سوداوية) لا نظير لها، إزاء أي اعتراضات على أقواله وأفعاله وسلوكه ومنهجه السياسي إلى حد يبلغ مرحلة الجمود الفكري.

وها هو الرجل يكرس كل يوم لشخصيته الطاغية هذه، فبعد أن أشاع أن بمقدوره – إذا ما التأم من شقه الأيمن أو الأيسر (المؤتمر الوطني) – حل مشكلة دارفور في (رمشة عين)، ها هو يعجز عن الفعل ويصاب بالرعاش السياسي، إن صح التعبير.

وعندما يذهب الترابي إلى مؤتمر حزب الأمة الفيدرالي، ليتحدث من هناك، فإن كثيرين كانوا يتوقعون أن يطرح الرجل برنامجاً سياسياً يتسم بالعقلانية والواقعية، فإذا به (يهوّم) بالجميع، ويحول المنبر إلى مراسم (جنائزية) ينعي فيها البلاد ونفسه، ويجترح نصاً عاطفياً يستحضر فيه الموت فيقول: “إن البلاد كثر فيها الخصام ونسأل الله أن ينزل السلام والوئام على البلاد”، وأن ذلك لن يتحقق إلا بالرجوع إلى أصول الدين، وأضاف: “اقترب الأجل وآمل أن ينصلح حال البلاد قبل أن يتوفاني الله”.

ما هذا الخطاب بالله عليكم، هل هذا برنامج سياسي؟ هل هو فكري؟ ثم ماذا يعني بالرجوع إلى أصول الدين؟ هل يعني أن الحكومة الحالية بعيدة عنها (الأصول) إلى حد أن الله ابتلى البلاد بكل هذه المشاكل والعقبات والحروب والدماء والفقر والجوع؟ ثم كيف يريد الرجل أن يطمئن على البلاد قبل وفاته خاصة وأن أجله قد دنا – كما قال هو – وهو الفاعل الرئيس في كل ما وصلت إليه من إرزاء!

شيخ حسن: إذا كنت تشعر بأنك تقترب من اللحد، فنرجو منك قبل رحيلك – يرحمك الله وإيانا – أن تعمل بدأب على تفكيك الأطر الدوغمائية لمنهجك السياسي حتى تنعم البلاد بالسلام والوئام، وتنام أنت مرتاح البال.
[/JUSTIFY]

Exit mobile version