سر جمالك يا بلد …!!

[ALIGN=JUSTIFY]** لم يكن هناك ظرف قاهر .. ولم يكن هناك سبب فني .. ولم يكن هناك ظرف صحي .. أو تلك هي الأسباب التي تحجب الأقلام عن قرائها الأوفياء ..ولكن قلمكم هذا – أيها الأوفياء – أحب أن يجرب الصمت والسكون طوعا واختيارا في الأيام الفائتة ، وكذلك فضل أن يستبدل رهق الكتابة بفضيلة التحديق في وجوه كتابات الآخرين بعيدا عن المحيط الذي هم يكتبون منه و« فيه » .. وما أجمل الصمت ، بشرط ألا يكون عقله أبكم أيضا ، فدع جمال صمتك يتكلم ياصديق .. نعم يتكلم جمال الصمت حين يحدق عقله في الأشياء منقبا عن تفاصيلها .. وهناك حتما لحظة يبتسم فيها فؤادك لعذوبة بعض تلك التفاصيل ، ثم هناك لحظة تدمع فيها مقلتاك بعذابات الأخريات ، وما بين البسمة والدمعة هى المساحة التى تمتلئ بضوضاء صمتك ، إذ ليس كل السكون جمودا ولا كل الصمت أبكم .. أو هكذا يؤانسني لسان الحال ..!!
** المهم .. لست صديقا للسفر، وليس بيني وبين الغربة كل الود ولا بعض الود .. وقبل أن تتخطى الخطى حدود أرض البلد تسبقني تلك الأرض إلي حيث المقصد ، لتكون في مقدمة المستقبلين هناك .. ولولا الحياء لما نفذت توجيه السلامة الجوية حين تأمر الركاب بلف أحزمة الأمان حول البطون ثم شدها وربطها في تلك ..فأحزمة أمان المغادرين لأوطانهم – ولو لنصف يوم – يجب أن تلف حول صدورهم ثم تشد وتربط في تلك ، فالأجساد حين تسقط فهناك احتمال لبعض النجاة ، ولكن قلوب العاشقين لديارهم حين تتساقط فانها تهلك وتهلك روح حاملها .. فاصنعوا لمقاعد راحلتكم حزاما آخر – يا سادة الراحلة – لتتحزم به صدور قوم قلوبهم عامرة بحب الديار ..ويا لتلك الديار التى يحبها أهلها برغم جميع مافيها .. أزقتها ، شوارعها ، مساجدها ، كنائسها ، سكاراها ، مصلوها ، تعصبها لماضيها و….و….ولو كان نزار سودانيا ربما أضاف شطرا آخر – بعد نداء باعتها – فحواه « حتى أفعال ساستها » .. وهكذا يصبح حب الديار مباحا – ومستباحا – للمحبين عند ساعة الإقلاع .. !!
** كنت أحسب أن سودانير وحدها هى التي تخطئ تقدير أزمنة الإقلاع والهبوط ، ولكن اكتشفت أن لسودانير أخوات – برضاعة اللامبالاة – في التقدير الخاطئ لتلك الأزمنة ..بل سودانير أرحم منهن ، بحيث إن لم ترسلك إلي مقصدك بلا ميعاد ، فقد ترسلك إلي الرفيق الأعلى في الميعاد ..« مابتجهجهك في النص » .. رحلة عمرها الإفتراضي بضع ساعات من ساعات النهار الأولى ، ولكن الأردنية أرغمتنا بأن نمشيها يوما كاملا ثم آخر.. والسبب هو القضاء والقدر .. ولو كان هذا السبب رجلا لأعلن الحرب على مبرري العجز أينما وجدوا .. ولكنه ليس كذلك ، ولذا نؤمن به صادقين ، ونكظم به الغيظ على العاجزين .. والحمد لله على كل حال .. ثم شكرا لشاعر النيل والنخيل والحب النبيل – محمد سعيد دفع الله – على مجموعته الشعرية التي طويت بها تلك المسافات .. أشعارها التي تغنى بها النعام آدم ومحمد كرم الله قبل نصف قرن إلا قليلا كأنها كتبت ليلة البارحة .. ومع الود للجميع ، تلك الأشعار – وآخريات صاغها حسن الدابي وعبد الله محمد خير – هى البحيرة التي تتفرع منها أنهار شعر اليوم في دار شايق ذات الحرف الشيق .. فأصل الكلمة كان آنذاك ، ولايزال يمد للناس يوميا بفرع ، وما ضر الفرع بأن يستمد حياته من أصل أصيل .. أليس كذلك يا حاتم ، الفاتح ، خالد ، علاء الدين ، ود الخضر و شقوري وكل ورثة الحب والجمال و البكاء في حضرة هذا وذاك ..؟؟
** عفوا .. تهت بك – مرغما يا صديق – في فضاء الخاطر.. ولا عليك ، فالتوهان في دنيا الناس والبلد هو بداية الوصول لآلام هؤلاء وآمال هذا ، فلنتقن هذا التوهان لنصل .. !!
** ثم .. شكرا للجالية السودانية بجنيف على حسن ظن ماقبل وبعد الدعوة .. للبعثة السودانية بالأمم المتحدة على الترحاب .. لممثلي القوى السياسية على بشاشة الاستقبال ..لأبناء البلد اللاجئين بأجسادهم بيد أن قلوبهم تنبض في أرض الوطن حبا وأملا في العودة .. وكذلك كل الوفاء للأوفياء الذين ماضاق برسائلهم البريد وما ضاق وريد بحبهم .. وبالتأكيد هم وغيرهم سر جمال البلد …!!
إليكم – الصحافة -الثلاثاء 05/8/ 2008م،العدد5435
tahersati@hotmail.com [/ALIGN]
Exit mobile version