* الكثير من الأحداث والممارسات الرسمية تؤكد أن الحكومة تريدنا أن نطبق الديمقراطية التي تريدها هي وليست الديمقراطية التي يعرفها الناس.. الديمقراطية التي تسمح لها بالبقاء في المركز واحتكار السلطة والنفوذ والثروة وكل شيء، بينما يدور الآخرون في الهامش بدون ان يتجاوزوا الادوار والحدود التي رسمتها لهم الحكومة بعناية شديدة، ولو حدث فمصيرهم الضرب والاعتقال والتعذيب والمساءلة والتحقيق والمحاسبة حسبما تقرر الحكومة أو قانونها الظالم الذى قد تتجاوزه هي نفسها في كثير من الأحيان عندما تكتشف أنه ليس بالفعالية الكافية ليحقق اهدافها ورغباتها !!
* منذ فترة ليست بالقصيرة تحاول الحكومة (مصرنة) السودان، اتخاذ منهج حكم شبيه بالمنهج المصري، يبدو في الظاهر وكأنه ديمقراطي يسمح بحرية التعبير والانتخاب ولكنه في نفس الوقت يفرض حالة الطوارئ (عندنا حالة طوارئ غير معلنة) ويستخدم قوات الأمن المركزي والقوانين القمعية غير الديمقراطية لقمع المعارضين وتقييد الحقوق ومنع الممارسة الديمقراطية مثل الاضراب والتظاهر والتجمع السلمي وفوز الخصوم في الانتخابات إلا بقدر ما تسمح به هي.. وتوظف من أجل ذلك آلة اعلامية ضخمة تهاجم المعارضين وتتهمهم بالخيانة وتظهر الحكومة وكأنها (الوطني) الوحيد، وتبرر منهجها وتدافع عنه إلخ، فيبدو لرجل الشارع وكأنه المنهج الصحيح وما عداه باطل !!
* ولقد اضطرت الحكومة السودانية وحزبها الى اتباع هذا المنهج باعتبار أن الوسائل الدكتاتورية والقمعية المكشوفة لممارسة الحكم لم تعد مقبولة لأحد في عالم اليوم، كما أن الظروف الصعبة التي مرت بها ولا تزال، جعلتها تخضع للضغوط الداخلية والخارجية وتضفي بعض التغييرات على منهج الحكم لتعطيه مظهرا ديمقراطيا يسمح ببعض أشكال الممارسة الديمقراطية ولكنه يمنع معظمها وإذا تجرأ أحد وتجاوز حدوده كانت أجهزتها وقوانينها القمعية له بالمرصاد، كما انها تلجأ في كثير من الأحيان لأساليب إرهابية لتخويف وقمع متجاوزي الحدود المرسومة لهم ــ كما حدث للأطباء المضربين الذين اتهموا بالكفر وضرب بعضهم، ولبعض أعضاء حركة (قرفنا) الذين اختطفوا وعذبوا مؤخرا !!
* صحيح أن هنالك الكثير من الاختلافات الجوهرية بين نظامي الحكم هنا وهناك، ولكن منهج الحكم هو نفسه مع الفارق، غير ان الحكومة السودانية تخطئ باتباع هذا المنهج، فالسودانيون باختلافاتهم العرقية والثقافية والسياسية الكبيرة وتجاربهم الثورية الناضجة وتماسكهم الاجتماعي القوي لا يمكن مقارنتهم بالمصريين، وما يصلح للمصريين لا يصلح للسودانيين الذين قد يصبرون على الأذى والخداع بعض الوقت ولكن ليس إلى ما لا نهاية.. فهل تفهم الحكومة ذلك أم يأتي عليها يوم لا يكون لديها فيه متسع للهروب دعك من الفهم ؟!
مناظير – صحيفة السوداني
drzoheirali@yahoo.com
21 مارس 2010
