* صحيح أن مشكلة الجنوب كانت إحدى الأسباب المهمة التي قادت إلى اندلاع الثورتين الشعبيتين إلا أن السبب الرئيسي الأول والمباشر في اندلاعهما كان هو الرفض المطلق للتسلط والقهر والدكتاتورية.. المزروع في نفس الإنسان السوداني الذي لا يمكن لانفصال جزء من أرض السودان عنه، حتى لو كان في أهمية إقليم مثل الجنوب الحبيب أن يضعف هذه الصفة والميزة العظيمة التي يتميز بها!!
* أذكر أننا استضفنا أستاذ التاريخ الدكتور جعفر ميرغني فى (منتدى الصحافة والسياسة) بمنزل السيد الصادق المهدي بأم درمان قبل عدة سنوات في محاضرة عن أنظمة الحكم في التاريخ السوداني القديم وعلاقتها بالمحكومين، وكان أبرز ما قاله الدكتور في مقارنة بين كبر حجم الأهرامات في مصر وصغرها في السودان هو صعوبة إخضاع المحكومين في السودان لرغبات الحكام مما جعل حجم الأهرامات في السودان أصغر بكثير جداً من مصر برغم أن بعض من حكموا السودان كانوا جبابرة مثل بعانخي وغيره ..!!
* ولقد توارث السودانيون هذه الصفة المميزة حتى صارت جزءاً من المكون الجيني لهم، ودليلي على ذلك أن الإنسان السوداني لا يكترث كثيراً للسلطة ومن الطبيعي أن ترى في السودان من يرفع صوته أو حتى يده على رجل شرطة مهما كبر شأنه أو على مديره في العمل بدون أن يبالي بشيءٍ إذا أحس أن كرامته قد جرحت، وهي ميزة لا توجد في أي شعب آخر.. وهي دليل واضح على أن الإنسان السوداني لا يقبل على نفسه ولو جرحاً بسيطاً وهو قادر تماماً على الدفاع عن كرامته في أي مكان وزمان وضد أي مخلوق مهما علا قدره .. لدرجة أن كل الشعوب التي تعاملت مع الإنسان السوداني تحترمه وتهابه بشكل كبير ولا تجروء أن تمس كرامته بكلمة لأنها تعلم تماماً مدى احترامه لنفسه ورفضه للاستعلاء والتسلط ..!!
* ما من شك أن انفصال الجنوب سيقود إلى وجود أغلبية ساحقة من المسلمين في السودان باعتبار أن غالبية معتنقي المسيحية والديانات الأخرى غير الإسلام هم سكان الجنوب، ولكن متى كان أهل الشمال أصحاب فكر ديني متطرف حتى يسهل التأثير أو السيطرة عليهم بأفكار متطرفة، أو متى كانوا أصحاب إيمان ضعيف حتى يفرض شخص أفكاره عليهم بدعوى إدخالهم في الدين الحنيف أو خداعهم بأنه صاحب الدين الحق حتى ينقادوا إليه ؟! لقد كان السودانيون منذ أن فتح الله عليهم بالدخول في الدين الحنيف (سلماً لا حرباً، عن قناعة لا عن خوف) أصحاب عقيدة دينية وسطية صحيحة وراشدة وكانوا ولا يزالون الأكثر فهماً للدين والأكثر حرصاً في تطبيقه على أنفسهم بدون إيعاز من أحد أو الحاجة إلى التمظهر بذلك، ومن يعتقد أن انفصال الجنوب سيسهل له مهمة فرض أفكاره على الشمال فهو واهم ولن يحصد إلا السراب إن لم يكن ما هو أسوأ من ذلك..!!
مناظير – صحيفة السوداني
drzoheirali@yahoo.com
26/10/2010م
