سنغافورة والماء النجس

[CENTER][B][SIZE=5]سنغافورة والماء النجس[/SIZE][/B][/CENTER] [SIZE=5] كنت مع عائلتي في زيارة لماليزيا عندما طنطنوا ونقنقوا: قريبة يللا نزورها يومين أو ثلاثة، وعارضت الفكرة لأنني كنت أعرف ان كلفة المعيشة في سنغافورة في يوم واحد تعادل راتبي في أسبوع كامل، ولكن الأغلبية الحمقاء انتصرت على الأقلية الواعية فذهبنا إلى سنغافورة، وأخذتهم إلى مطعم أقل من عادي ولأنني رأيت قيمة الطعام الذي طلبناه في القائمة التي على المائدة (المنيو) فقد أصابني مغص كلوي، ثم طلب عيالي ماء فأتاني النادل بكوبين منه ومد لي، وأنا اشرب بعضه، ورقة عليها سعر الكوبين: خمسة دولارات أمريكية، فشرقت بالماء حتى تدفق عبر انفي الأفطس، وعندما هممنا بمغادرة المطعم أرغمت العيال على لحس الكوبين حتى لا تبقى فيهما نقطة، وأثناء زيارتنا لجزيرة سانتوسا السياحية التي تفنن السنغافوريون في تجهيزها بكل مبهج بديع، قال العيال انهم عطشى فأقنعتهم بأن الماء في سانتوسا غير طهور، بل أنه نجس يستخرج من اسفل تمثال لبوذا، فكاد المساكين ان يهلكوا عطشا فاضطررنا إلى مغادرة الجزيرة طلبا للنجاة وغادرنا سنغافورة بأكملها عائدين إلى ماليزيا حيث الماء ببلاش.
سنغافورة تأخذ احتياجاتها من الماء من ماليزيا، وبين البلدين ود مفقود، منذ ان تراجعت سنغافورة عن الانضمام إلى الاتحاد الماليزي، ومن ثم فإن سنغافورة التي ولدت عام 1963، مهووسة بترشيد استخدام الماء، وبعد ان قرأت تقريرا نشرته نيوزويك في العدد الـ 16 يوليو فقد قررت ألا أمرّ بسنغافورة ولو ترانزيت: هذه الدولة المدينة قررت الاستفادة من مياه المجاري، ليس في ريّ الحدائق بها، بل في توصيلها إلى البيوت والمطاعم للشرب، ويتم تمرير مياه المجاري في أنابيب ضيقة للغاية لتطهيرها من الشوائب، وما أدراك ما تلك الشوائب، وعبر عمليات فلترة متكررة وتعريضها للأشعة فوق البنفسجية يتم تنقية تلك المياه تماما حتى تصبح معقمة (او هكذا يزعمون)، ثم بالهناء والشفاء، ولكن المصيبة التي لا يمكننا تفاديها هو ان ذلك الماء يدخل في صناعة رقائق الكمبيوتر (التشيب)، يعني يكون الواحد فينا جالسا امام الشاشة وتأتيه رائحة كريهة فتسد نفسه من زيارة مواقع الانترنت التي تشرح النفس المراهقة المرهقة.
تذكرت بلدي السودان الذي يقال انه ضمن البلاد الأكثر تعاسة في العالم، بسبب عقوق النخب التي حكمته منذ فجر الاستقلال إلى عصر الاستغلال، ولكنني أتذكر دائما انه بلد له مستقبل، لأنه يملك الماء والأرض، والسواعد السمر وهي مقومات وعصب الحياة، فالبقاء في عالم الغد لمن ينتج الطعام ويملك الماء، وإذا فات العديدين من أبناء جيلي ان ينعموا بالعيش في حضن الوطن الرؤوم لدواعي أكل العيش فان أبناءنا وأحفادنا، سيكونون أحسن منا حالا، وفي السودان متسع وبراح لمليار نسمة، وحواء السودانية خصب وولود، وستنجب حتما عيالا بررة عيونهم اشد من عيوننا بريقا وصدروهم أكثر اتساعا. [/SIZE] جعفر عباس
[EMAIL]jafabbas19@gmail.com [/EMAIL]
Exit mobile version