… المتابع الجيِّد لملف العلاقات السودانية الأمريكية يدرك تمامًا مدى الصفعات القوية التي تعرضت لها الحكومة السودانية من الإدارة الأمريكية، وكيف أن واشنطون ظلت ولا تزال تمارس «هواية» خداع الخرطوم وغشها وإغرائها بحوافز وهمية، هذه الإغراءات الأمريكية «السراب» بدأت بعد أحداث 11سبتمر 2001 عندما اكتشفت الولايات المتحدة الأمريكية أن الحكومة السودانية يمكن أن تعطي كل شيء وتقدم كل ماهو مطلوب دون أن تأخذ أي شيء وذلك بعد أن فاجأتها بتعاون أمني مفتوح وبلا سقف وبدون أي ثمن «مقبوض» في حربها على الإرهاب، وهو الدورالسوداني الذي كشف عنه وزير الخارجية الأمريكي وقتها كولن باول الذي أكد أن الخرطوم فاجأتهم بمستوى من التعاون الأمني وبشكل لم يكن متوقعًا منها، وتردد وقتها أن السلطات السودانية سلمت عناصر مطلوبة لدى المخابرات الأمريكية إلا أن هذه المعلومات نفتها الخرطوم في وقت لاحق…
[B]
الاستدراج نحو الوحل الأمريكي:[/B]
المهم أن الإدارة الأمريكية عندما اكتشفت أن الخرطوم مستعدة للتنازل وتلبية كل المطلوبات الأمريكية إلا «كرسي الحكم» استغلت هذه «الخاصية» في ملف تسوية أزمة الجنوب من خلال اتفاقية نيفاشا التي رمت الولايات المتحدة الأمريكية بثقلها فيها للدرجة التي دفعت البعض للتندر بأنها اتفاقية أمريكية من شعر رأسها حتى أخمص قدميها ويستدلون على ذلك ببروتوكول «أبيي» الذي أعده بصورة كاملة القس جون دانفورث مبعوث أمريكا للسودان وقتها وهو البروتوكول الذي كان بمثابة الوحل الذي استُدرج إليه الطرفان وتعذر عليهما الخروج حتى هذه اللحظة، وتشير معظم المعطيات أن أمريكا استغلت استعداد الخرطوم لتقديم التنازلات فعملت على انتزاعها من الأخيرة دون مقابل لصالح الحركة الشعبية، ولم يكلف الأمر الإدارة الأمريكية شيئًا سوى «وعود جوفاء» أو شيك على بياض بعد انفصال الجنوب الذي سال له لعاب أمريكا بشكل رسمي كما في حديث مساعد وزير الخارجية الأمريكي جوني كارسون قُبيل استفتاء الجنوب ببضعة أيام حيث قال في مؤتمر صحفي عقده بواشنطون آنذاك: «إن الجنوب إذا صوت للانفصال فسيلقى دعماً وتأييداً من الحكومة الأمريكية، وزاد: الإغراءات التي قدمناها لحكومة الخرطوم الهدف منها تنفيذ اتفاقية السلام كاملة والاعتراف بنتيجة الاستفتاء.».. أثناء مفاوضات نيفاشا قدمت الخرطوم كل ماهو مطلوب من قائمة المطلوبات الأمريكية، وبعد الاتفاقية لم تقبض من وعود رجال البيت الأبيض سوى الريح، غير أن الغريب في الأمر أن أمريكا مازالت تمارس تلك اللعبة دون حياء وأن الخرطوم في كل مرة تُلدغ من ذات الجحر الذي تختبى بداخله الحية الأمريكية، وكلما تعرضت لصفعة قوية على خدها الأيمن استدارت استعدادًا لأخذ صفعة جديدة أشد إيلامًا، ولتعزيز الحقائق التي أشرنا إليها في سياق الحديث عن تعقيدات ملف العلاقات السودانية الأمريكية، وكيف أن الخرطوم تتساهل في كل مرة وتُخدع في كل لحظة تحين فيها بارقة لتطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطون رغم تكرار صور الخداع الأمريكي المكشوف، لتعزيز ذلك نورد جانبًا من المواقف والتصريحات من الجانبين لعلها تعمل على تنشيط ذاكرة الخرطوم التي تبدو أنها تعاني من مرض «الزهايمر»، وذلك على النحو التالي:
[B]
دهاء أمريكي مقابل تساهل سوداني:[/B]
في يوم 16يناير 2011 اتفقت الحكومة السودانية مع المبعوث الأمريكي للسودان إسكوت غرايشون على أطر للمباحثات منتصف الشهر المقبل، تتعلق بسحب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورفع التمثيل الدبلوماسي بين الخرطوم وواشنطن، بجانب بحث الديون والعلاقات الثنائية، على أن يفي السودان بالتزاماته كاملة إزاء تنفيذ اتفاق السلام مع الجنوب حتى إجراء الاستفتاء.
وقال وزير الخارجية علي كرتي وقتها في تصريحات صحفية، عقب لقائه غرايشون، إن الطرفين اتفقا على طرح القضايا المشار إليها منتصف شهر فبراير المقبل… انتهي حديث كرتي… أي طرح قضايا شطب اسم السودان من قائمة الإرهاب وإعفاء الديون والعقوبات وترفيع التمثيل الدبلوماسي والتطبيع بعد ظهور نتيجة الاستفتاء للجنوب، وهو أمر يشير بوضوح إلى نوايا الغدر الأمريكي، ولاحظوا أن الخرطوم تعطي أولاً قبل استلام الثمن، وتبدو في نفس الوقت واثقة من صدق النوايا الأمريكية ويعزز ذلك إشارة كرتي في ذات التصريحات إلى وجود ما اسماه وقتها «نظرة أمريكية إيجابية» تجاه الأوضاع في السودان، وزاد: «علينا استغلالها أثناء ما تناقشه لجنتان مشتركتان بين البلدين».
وأضاف أوباما أن العالم سيتابع الحكومة السودانية في الوقت الذي يبدأ فيه ملايين الجنوبيين الإدلاء بأصواتهم يوم الأحد في استفتاء تاريخي، وأن المجتمع الدولي مصمم على أن يكون التصويت منظماً ومن دون عنف.
وقال الرئيس الأمريكي في المقال الذي نشره البيت الأبيض أكرر عرضي على زعماء السودان، إذا أنجزتم تعهداتكم واخترتم السلام، فهناك طريق للعلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة بما في ذلك رفع العقوبات الاقتصادية وبدء عملية استبعاد السودان من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب وفقاً لقانون الولايات المتحدة.
وأضاف: وعلى النقيض من ذلك فهؤلاء الذين يخرقون تعهداتهم الدولية سيواجهون مزيداً من الضغط والعزلة.
وزاد: يجب السماح للناخبين بالإدلاء بأصواتهم دون ترهيب، ويجب على كل الأطراف الامتناع عن الاستفزاز ويجب عدم الضغط على مسؤولي الانتخابات ويجب على زعماء كل من السودان وجنوب السودان العمل معاً لمنع وقوع أعمال عنف.
[B] ورقة الجنائية على الخط:[/B] في 12يناير 2011وعدت الإدارة الأمريكية برفع اسم السودان من قائمتها للدول التي تعتبرها راعية لما يسمى «الإرهاب» اعتباراً من يوليو من ذات العام، إذا قبلت الخرطوم بنتائج الاستفتاء الخاص بتقرير مصير الجنوب.
وقال مبعوث أوباما للسودان وقتها برنستون ليمان: في حال جرى الاستفتاء بشكل جيد، وفي حال اعترفت الحكومة السودانية بنتائجه، فإن الرئيس باراك أوباما سيعلن نيته البدء في عملية سحب السودان من قائمة الإرهاب.
وأضاف: إنها عملية تأخذ بعض الوقت، ولكن في حال كان هناك التزام في إطار الاستفتاء، فإن الأمل هو في أن يلبي السودان جميع الشروط كي يتم عمل شيء ما في يوليو المقبل.
وتشترط واشنطن أيضاً من أجل شطب السودان من لائحة الدول الداعمة للإرهاب – وهي القائمة التي تضم أيضاً إيران وسوريا وكوبا، وكوريا الجنوبية، أن تمتنع الخرطوم عن تقديم أي مساعدة مباشرة أو غير مباشرة للحركات الإرهابية، حسب ما أعلنه مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الإفريقية جوني كارسون.
وتابع: «مع ذلك حتى ولو سُحبت الخرطوم من اللائحة، فإن واشنطن ستدعو دائماً الرئيس السوداني عمر البشير إلى التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية… إهـ… ولا شك أن هذه الفقرة الأخيرة وحدها تدلل بشكل قاطع أن واشنطون تمارس «هوايتها» في ابتزاز الخرطوم وتخويفها ولن تصدقها وعدًا ومع ذلك تبدو الحكومة السودانية سادرة في غيِّها.. [B]خارطة طريق أمريكية للخرطوم:[/B] في 13 يناير 2011 وصف مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جوني كارسون الديون الخارجية للسودان بأنها «موضوع معقد»، مؤكداً أن معالجة الملف تستغرق زمناً طويلاً، كما نفى أن تكون إدارة الرئيس أوباما وعدت السودان برفع اسمه من قائمة الداعمين للإرهاب، وذلك في إشارة منه لتطمين «الكونغرس» الذي كان يخاطبه آنذاك، ومعلوم أن الكونغرس من أكثر المؤسسات الأمريكية غلوًا في تعامله مع الخرطوم.
وقال كارسون إن إدارة الرئيس أوباما لم تتعهد لحكومة الخرطوم برفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، لكنها تعهدت بـ«النظر في الموضوع»، وعن رفع العقوبات التي كان الكونغرس قد فرضها على السودان، وتابع أن الموضوع «ليس قراراً تتخذه الخارجية، ولكنه قرار عند الكونغرس».
وقال كارسون في مؤتمر صحفي آخر إن أمريكا سلمت البشير خارطة طريق سودانية، وإن الشرط الأول فيها إكمال تنفيذ اتفاقية السلام، ليس فقط بقبول نتيجة الاستفتاء، ولكن أيضاً بالاعتراف بالدولة الجديدة، وتسوية موضوعات الحدود، والنفط، والجنسية، والعلاقات الاقتصادية وغيرها.
وأضاف المسؤول الأمريكي أن الهدف العام للسياسة الأمريكية نحو السودان هو أن يكون كل من الجنوب والشمال دولة فعَّالة، إذا اختار الجنوب الاستقلال، حتى يخرج شمال السودان من عزلته الدولية. [B]زيارة كيري للخرطوم:[/B] في يناير أيضًا قُبيل الاستفتاء زار رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي وقتذاك السناتور جون كيري للوقوف على ترتيبات الاستفتاء وأعلن في الخرطوم عقب مشاورات مع قيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم التزام رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما بتطبيع العلاقات بين الخرطوم وواشنطن، وشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ورفع العقوبات، وأشار إلى أن نجاح الاستفتاء والتزام الخرطوم بالاتفاقية والاعتراف بنتيجة الاستفتاء سيحدد شكل العلاقة والتعامل مع الخرطوم… الخرطوم من جانبها التزمت بذلك وأكدت على لسان مستشار رئيس الجمهورية للشئؤون الأمنية وقتها الفريق صلاح قوش أنها ستنفذ وستعترف بنتيجة الاستفتاء وهو موقف وجد ترحيبًا شديدًا من الضيف الأمريكي الزائر «كيري».. [B]لطمة في وجه الخرطوم:[/B] بعد استفتاء الجنوب وظهور النتيجة التي ابتسمت لها واشنطون، وبعد أن أدت الخرطوم ما عليها وقدمت تنازلاتها والاتزاماتها «شيك على بياض» جاء دور الولايات المتحدة الأمريكية لتقديم ما عليها فكان الرد في «8» فبراير «2011» من وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها هيلاري كلينتون التي أكدت أن واشنطن بدأت «خطوات» لشطب اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وتأتي الخطة بعد اعتماد الرئاسة السودانية نتيجة استفتاء الجنوب النهائية… وعادة ما تستهل إجراءات مثل رفع اسم السودان من لائحة الإرهاب بدراسة تقوم بها وزارة الخارجية الأمريكية، وفيما كانت الخرطوم تنتظر خطوات التطبيع «المتثاقلة» تلقت أول لطمة أمريكية على وجهها إذ أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية قائمة الدول الراعية للإرهاب ولم تخلُ القائمة من اسم السودان
وأشار مساعد وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كارسون إلى أن رفع العقوبات سيستغرق ربما سنوات، رغم الوعود بأن يوليو من العام «2011» سيكون عام شطب اسم السودان من القائمة. وقال مراقبون في واشنطن وقتها إن السبب هو تعقيدات التعامل بين الإدارة والكونغرس، وصعوبة إصدار الكونغرس قانوناً يُلغي قانوناً سابقاً.
صحيفة الإنتباهة
تحليل أحمد يوسف التاي[/SIZE][/JUSTIFY]
