وإذا أردنا أخذ مثال لذلك من الأزمات المعروفة دولياً وماثلناها بما هو قائم بين جوبا والخرطوم لوجدنا شيئاً من التماثل. فعلى سبيل المثال فإن الأزمة فى فلسطين منذ العام 1984 كانت أزمة أرض محتلة بواسطة عدو محتل وغاصب لا حق له -لا قانونياً ولا أخلاقياً- فيها، ولكن واشنطن وعلى عهد عرّابها السياسي الماكر (هنري كيسنجر) حوّل القضية الى عدد من القضايا المجزأة بحيث بدأت بحق العودة بالنسبة للاجئين ثم تجزّأت الى حق إسرائيل فى العيش فى حدود آمنة جنباً الى جنب مع عدم جواز احتلال أرض الغير بالقوة وذلك وفق القرار 242 ، أشهر قرار دولي تتمثل فيه التناقضات ومكر الصياغة. ثم تجزأت الى قضية الى اعتراف متبادل ثم تحولت الى قضية إنشاء سلطة فلسطينية جنباً الى جنب مع السلطة الإسرائيلية القائمة وأخيراً وصلت الى ما يسمى حالياً بحل الدولتين!
هذه الأجزاء كلها خرجت من رحم احتلال أرض فلسطين. الآن وبمقايسة القضايا السودانية الجنوبية فهي من الأساس قضية أمنية بحتة حيث أن جوبا -لأسباب سياسية خاصة بها- تسعى لزعزعة استقرار السودان وتمكين من تبقى من الحركة الشعبية فى الشمال (ما يسمى بقطاع الشمال) من المشاركة الفاعلة فى السلطة أو الاستيلاء عليها بالكامل.
القضايا الصغيرة الأخرى (الحدود والديون النفط) هي قضايا عادية فى ظل عملية الانفصال الى وقعت. جوبا وبمعاونة مستشارين صهاينة وأمريكيين عملت على تجزئة القضية الأمنية بحيث تجزأت الى مفاوضات مع قطاع الشمال, ترسيم للحدود واستفتاء أبيي مع أن هذا الأخير له بروتوكول خاص قائم بذاته ثم تجاهلت القضية الأمنية، ولهذا نرى من حين لآخر قفز جوبا من قضية جزئية الى أخرى، بحيث اختزلت الأمر فى النفط والحريات الأربع، والحدود تاركة -عمداً وعن قصد- قضية الأمن المتبادل بين الدولتين والذي هو مفتاح الأزمة كلها.
ففي نموذج تشاد والسودان كما رأينا وحالما تم الاتفاق على المراقبة المشتركة للحدود فإن العلاقات بين الجانبين نمت وترعرعت وصارت أقوى بكثير بحيث تخلصت تشاد من المعارضة المسلحة التى كانت تنشط ضدها على الحدود وتخلص السودان هو الآخر من المعارضة المسلحة التى كانت تأويها تشاد. دولة الجنوب من حيث تدري أم لا، تلعب اللعبة الأمريكية الإسرائيلية مع السودان وهو ما جعل كلما تم التوصل لاتفاق، يقع خرق على جهة أخرى كما حدث فى ولاية النيل الأبيض بمحاولة فرض سلطتها على منطقة (جودة الفخار).
جوبا فى الواقع تلعب لعبة خطيرة ولكن السؤال الذى يظل عالقاً بلا إجابة هل هي فى مستوى هذه اللعبة وهل تستطيع إكمالها الى النهاية؟
سودان سفاري[/SIZE][/JUSTIFY]
