من اجتثاث البعث الى حل الاخوان

[JUSTIFY]تختلف البلدان العربية جغرافيا واقتصاديا وسياسيا لكن يجمع نخبها كلها الإصرار على تكرار الاخطاء الاستراتيجية وعدم التعلّم من مصائب شقيقاتها اللاتي سبقنها.

لا تشبه مصر العراق، فهي أقرب للتجانس العرقي والديني كما أنها شهدت أحقاباً طويلة من الاستقرار التاريخي النسبي منذ ما قبل الفتح الاسلامي وصولا الى حكم محمد علي وسلالته فحكم الجيش المصري منذ خمسينات عبد الناصر مروراً بالسادات ومبارك فالسيسي.

يعتبر حكم محمد مرسي في هذا السياق الطويل المتصل فاصلة صغيرة لا تشكل تغييراً كبيراً في متن التاريخ المصري، ولعلّ ردة الفعل الهائلة ضد هذه الفاصلة تفسر نمط وشخصية الدولة المصرية العميقة الجذور والتي تستوعب التغيير وتلتف عليه لتعيد انتاج نفسها من جديد.

خضع العراق بالمقابل لتقلبات عنيفة عسكرية وجماهيرية وتداولت عليه اقوام واديان واحزاب ودول بحيث يمكننا المجازفة بالقول انه استقر عبر تاريخه على نمط عنيف من عدم الاستقرار.

عنف الدولة العراقية منذ ايام الحجاج وصولا الى الانقلابات العسكرية الحديثة وحتى الآن دليل على عدم قدرتها على تطويع الشخصية العراقية وجعلها تتقبل حكماً مستبداً، وحتى احتلال دولة عظمى مثل امريكا للعراق لم يستطع ان يكسر هذه الشخصية ويطوعها، ويصح الأمر كذلك بالتأكيد على خلفاء الاحتلال غير الراشدين الذين تابعوا محاولة حكم العراق بالنار والحديد.

بدلاً من لأم جراح العراقيين بعد الحروب الطويلة المستمرة والكوارث الرهيبة التي عانوها كافأتهم الدولة العراقية الحديثة الناشئة بعد الاحتلال بقرارها الذي سمته اجتثاث البعث.

استخدم الحكام الجدد للعراق هذا القرار لتحطيم ما تبقى من لحمة في المجتمع العراقي وتكريس الاستبداد وحكم الفرد والطائفية والتبعية لايران وكانت النتيجة انحطاط الصراع السياسي الى مذبحة منظمة تحصد كل يوم عشرات المواطنين، فيما أسياد المنطقة الخضراء يتقاسمون الصفقات وينظّرون للديمقراطية وحقوق الانسان.

بقرارهم حل جماعة الاخوان المسلمين يستعد حكام مصر الجدد أيضاً الى قرار مشابه لاجتثاث البعث بكل ما يحمله ذلك من احتمالات مشابهة لما حصل في العراق.

يتحمل حكام مصر الحاليون، لا الاخوان المسلمون، إرث عقود من الظلم سادتها مظاهر انتهاك الكرامة وامتهان السيادة الوطنية والتحالف مع اسرائيل، وفي اندفاعهم الى حلّ الجماعة يكررون خطا أشقائهم في العراق.

صحيح ان محمد مرسي والاخوان لم يستطيعوا مواجهة استحقاقات ثورة 25 يناير سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وذلك عائد الى حد كبير الى عدم استيعابهم السياسي للمرحلة والى تعطشهم للحكم، من ناحية، والى ضخامة الهجوم السياسي والاعلامي الذي تعرّضوا له والذي مولته قوى محلية واقليمية، من ناحية أخرى، وقد فشلوا بالنتيجة في مواجهتهم مع الدولة المستبدة العميقة التي استعادت قواها وأضافت عليها نقمة الجمهور العام الذي لم تتحقق مطالبه الثورية التي ضحى من أجلها.

مشاكل الشعب المصري هي الاقتصاد والتنمية والعدالة والحرية، ولن يقوم حلّ جماعة الإخوان بحلّ هذه المشاكل.
في لجوء حكام مصر الحاليين الى تعميق الأزمة السياسية بدل حلّها والسير بمصر من جديد على طريق الدولة الأمنية، حرف للثورة عن مسارها الذي هو معالجة اسس الاستبداد والطغيان الاقتصادي والسياسي التي كبّلت تطور مصر وأدخلتها في نفق مسدود.
لا يستطيع أحد ان يقنعنا ان الدولة الأمنية هي التي ستجلب لمصر الأمن والعدالة والديمقراطية والسيادة الوطنية.
الاجتثاث كان كارثة على العراق وهو لن يقدم حلاً لمشاكل مصر، بل سيفتح المجال للدولة البوليسية للبطش بالمجتمع كلّه وإطفاء نار الثورة والتغيير.

القدس العربي

[/JUSTIFY]
Exit mobile version