هروب المستثمرين العرب
لكن اشد ما المني أن حدثني أحدهم عن هروب المستثمرين العرب و عدم رغبتهم في الإستثمار في السودان برغم أمكانته الضخمة .. هروبهم الى دولة فقيرة مجاورة أحسوا فيها بالجدية و القدرة على توفير كافة الاغراءات التي تجعل من هؤلاء المستثمرين يعيشون بأموالهم في حالة من الامان و الاستقرار والاحساس بالطمأنينة..وكيف انهم أي أولئك المستثمرين كانت لديهم الرغبة الاكيدة في استثمار اموالهم في السودان لولا العراقيل التي توضع امامهم ومحاولات إبتزازهم من ( كبار او صغار).. وهذا امر يجب الإعتراف به.
الفساد مرض عضال
هذا امر يجب الإعتراف به لأننا نعلم تماما ان الفساد الذي استشرى كمرض عضال في جسم هذا الوطن جعل منا أضحوكة مجالس أهل المال و الاعمال وإن كنا لانملك ولانستطيع ان نحصل على الوثائق التي تثبت ذلك فإننا نعلم تماما ان منظومة الفساد في بلادنا تتمتع بقدرات عالية تتمثل في عدم ترك اي اثرمباشر لفسادهم و هذا امر طبيعي فالفساد يتم دائما في الظلام او خلف الابواب المغلقة حتى يكشفه العلي القدير.
لن يصل لدرجة الإضرار بالوطن
الشاهد أن الفساد موجود في كل دول العالم حتى الولايات المتحدة الامريكية لكنه لن يصل بأي حال من الأحوال الى درجة الاضرار بالمواطن او الوطن ولايمكن باي حال من الاحوال ان يستمر و يعيش و يعشعش فالدول التي تعمل وفق خطط و برامج دقيقة ولها من الاجهزة الرقابية و القدرة على كشف المستور و المحاسبة هي الدول الاقدر على الاستمرار و النهوض نحو اهدافها.
إستباحة
إن إستباحة البلاد و مافيها من مال عام و خطط و برامج ودراسات مستقبلية تعتبر من أخطر عوامل هدم إقتصادياتها وهي مسائل ينبغي علينا أن نعمل على حمايتها من أنفسنا اولا ثم من الاخرين.. وبالرجوع الى كثير من تقاريرالمراجع العام و ما تطالعنا به الصحافة اليومية من اختلاسات و نهب في المال العام تدهشنا و تحيرنا كثيرا هذا ويدهشنا و يحيرنا اكثر ان لارقيب ولا حسيب هذا بغض النظر عن استغلال بعض المسؤولين للامتيازات التي منحو لها من خلال مواقعهم سواء ان كان ذلك بالتحايل بالحصول عليها أو محاولة إستغلال نفوذهم في توسيع دائرة الاستفادة من هذه الامتيازات و ان كان استباحة و نهب المال العام يعتبر من اخطر الجرائم لانها قد تودي بحياة امة .. من المعلوم ان الانسان مهما كان محصنا ايمانا و سلوكا فانه عرضة للسقوط للدرك الاسفل من خلال ثقب يكاد لايرى تتسرب اليه منه كل افات هذا الزمان ليتسع بعدها فلا يرى عيبا فيما يفعل.
واقع مرير
وان كنا نواجه اليوم واقعا مريرا و نعيش حالة من الخوف والاضطراب فليس امامنا الاخوض معركة النجاة في مواجهة ثالوث الهلاك ( الفساد والفشل و شلل التفكير) وينبغي لنا و نحن نخوض هذه المعركة ان نؤكد على أحقية كل مواطن في هذا الوطن و تمكينه شعورا واحساسا بان هذا الوطن وطن الجميع ثم نتخلى عن كل أولئك الذين أوصلونا الى حالة الفشل التي نعيشها اليوم ولنعمل على تنظيم حياتنا و انفسنا كالنحل الذي ضرب الله لنا به مثلا ولنؤكد على قيم واحترام دور كل مواطن حيث لا نستأصل ولا نهمش أحدا ليبقى الوطن وطنا للجميع ولنعمل على ادارة الحياة بطريقة تجعل منا كل في مكان تخصصه ونحمد الله ان لدينا من الكفاءات و الطاقات التي اسهمت في بناء كل الدول التي من حولنا.. سواعد و فكرا و علما وسلوكا.
عصب الإقتصاد السوداني
ولنبدأ بإعادة الحياة للمشروعات التي كانت في يوم من الايام تمثل عصب الاقتصاد السوداني كمشروع الجزيرة مثلا كونه احد المشروعات التي تتمنى كثير من الدول أن تحظى بمثله.. ولنعيد النظر في برامجه و دوراته الزراعية ونستعيد زراعة القطن الذي كان يطلق عليه ( الذهب الأبيض) من قيمته العالية حيث إزدادت قيمته اليوم وإن كنا اليوم عاجزين عن تشغيل مصانع النسيج في بلادنا فلنتذكر ان مصانع «لانكشير» في انجلترا كان السودان بقطنه طويل التيلة هو الذي يحرك ماكناتها لتعمل.. لكن مع الاسف هذا القطن العظيم تعرض إنتاجه لجريمة كبرى لابد من التحقيق و الكشف عنها.
عجزت سلطات المنطقة عن ريها
وان كنا نتحدث عن مشروعات زراعة وانتاج القمح فيؤلمني جدا انني في يوم من الايام من العام الماضي وقفت في منطقة « دلقو» على سبعة مشاريع على الضفة الغربية للنيل مباشرة و قد تم تجهيزها للري فعجزت سلطات المنطقة عن ريها و هي في حضن النيل بسبب عدم توفر الكهرباء ولا زالت تلك المشاريع تشكونا لزماننا و على رأسها مشروع « كوكا» الملك النوبي الذي حدث عنه زمانه علما بان هذه المشروعات السبعة تتمثل في اكثر من عشرات الالاف من الافدنة و قدرت إنتاجية الفدان الواحد بأربعين جوال من القمح وفق دراسة و تجربة علمية و عملية..أليس هذا امر يستحق التحقيق و المحاسبة؟!!! ام اننا نعيش مؤامرة نعجز عن كشفها؟!!! ام ان ضغوط تأتينا من الخارج و نستجيب لها؟!!! ناهيك عن كثير من مشروعات القمح التي لاتجود الا بالقليل من الكثير الذي نأمله.
الولاية الوحيدة التي لا تشكو
ولمزيد من الامثلة فلنذهب الى ولاية سنار حيث أكثر من ثلاثة عشر مشروعاً (مكهرباً) ومزودة بأحدث الطلمبات تبلغ في مساحتها اكثر من مائتي ألف فدان ( مشروعات الليونة، وشاشينا، والرماش) ناهيك عن مشروع السوكي العظيم حيث كان يزرع القطن طويل التيلة والكناف وهي الولاية الوحيدة في السودان التي لا تشكو نقصا في الكهرباء او المياه أو الايدي العاملة لكنها تعتبر مثالا لفشل ادارة الولاة لولاياتهم و يتمثل ذلك في هجرة غالبية سكان هذه الولاية الى ولاية الخرطوم وهجرت تلك المشروعات نتيجة الصراعات والنزاعات.
إن أمرنا لعجيب
إن أمرنا لعجيب .. نبحث عن غذائنا من دول تبعد عنا الاف الاميال وغذاؤنا تحت أقدامنا.. ونحفر مئات والاف الاقدام تحت الارض بحثا عن الذهب و البترول والذهب تحت أرجلنا مباشرة .. نبحث عن الدولار و نتحدث عن سعر الصرف والسوق السوداء ونبكي على «واحد جنيه سوداني» كان يساوي بالامس القريب « ثلاثة دولار» .. نملك من الثروة الحيوانية ملايين الابقار والماعز و الضان و الإبل والعلف الذي يحيها يحمل بالطائرات الى خارج الوطن .. وأطفالنا ينامون بلا كوب من الحليب، (وحلة الملاح) التي كانت بالامس القريب تكفي أهل البيت والجيران صارت بلا مكوناتها الاساسية ( لحم و خضار) واوشكت النساء ان تغلي الحصا لتوهم اولادها بقرب الطعام حتى يناموا.
لديكم الامان
في زيارة لي ضمن وفد سوداني كبير لاحدى الدول العربية الخليجية و عند لقائنا بمسؤول عربي خليجي رفيع خاطبنا قائلا كنا نتمنى ان يكون لدينا نيلكم و ارضكم ، فانتم لديكم الامان اما نحن برغم بترولنا و عائداته فنعيش القلق و الخوف معا.
نحن من صنعها
إن كانت هنالك كارثة ستحدث فنحن من صنعها ، ونحن من سيكتوي بنارها.. وحتى لا تحدث هذه الكارثة فلننظر إلى داخلنا و لنتقي الله في أنفسنا وفي الناس.
قراءة :الفاتح محمود عوض: صحيفة أخبار اليوم [/SIZE][/JUSTIFY]
