محمد عبد القادر سبيل: على أعتاب مرحلة سياسية جديدة

[JUSTIFY][SIZE=5]رافق اندلاع ثورة الإنقاذ أفول المعسكر الإشتراكي الشرقي، وشروق شمس أمريكا كقوة ضاربة مثلت بالعراق وأفغانستان وآلت على نفسها أن تحمل وتبشر برسالة الرأسمالية وتفرض الأيدولوجيا الليبرالية بتلك القوة التي لا مثيل لها تذرعاً بفضيلة الحرية. حدث ذلك في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات كالإنقاذ تماماً.

لن نحتاج إلى الحديث عن أن النظام العالمي الجديد «أحادي القطب» يحتاج إلى عدو يتذرع بمحاربته كواجب أخلاقي من أجل حماية الحرية والإنسانية، ونظام الإنقاذ بحملات جهاده وأناشيده التي تتوعد أمريكا وروسيا وإيوائه لبن لادن والغنوشي وغيرهما، قد سهل المهمة كثيراً لمهندسي النظام الجديد، ولكن بلادنا كانت أضعف من أن تحاربها أمريكا بجبروتها، لذا لجأوا إلى «الكفّيت» المتمثل في صاروخ مصنع الشفاء والحصار المخروق جيداً بالصمغ العربي بحيث يؤذي السودان ولا يضر واشنطون، وكل ذلك يعد من باب سوء الطالع الذي تزامن مع العهد الجديد.

كتاب صراع الحضارات لصاموئيل هانتينغتون يعكس فكرة ضرورة صناعة العدو كي يفرض النظام أحادي القطب نفسه، فكان حديث هانتيغنتون باستفاضة عن حدود الدم الفاصلة حتماً بين الحضارة الغربية والإسلامية، فأين يا ترى تجتمع قوى المسلمين الأصولية سوى في الخرطوم المارقة على النظام الجديد، طارحة «المشروع الحضاري» البديل للحضارة المادية الغربية التي أيقنت أنها أنهت التاريخ، حسب نظرية فرانسيس فوكياما المنتصر للرأسمالية بشقيها الاقتصادي والسياسي الليبرالي معاً.

الخرطوم باتت هدفاً ولقمة سهلة اجتمعت لها كل مبررات القمع، ولكنها أضعف من أن تحاربها أمريكا، كما أن ثمة أسلحة أخرى كثيرة كان من بينها تحريك وشحذ النزاعات الجهوية والعنصرية، فكانت دارفور ودارفونج ودارنوبة ودار بجا.. ألخ.

هكذا جرى طرح المشروع الحضاري في الوقت القاتل.
وأما الخطأ القاتل الذي وقعوا فيه، فهو أنهم لم يفطنوا إلى التفريق بين تمكين الإسلام وتمكين الإسلاميين.
لقد حدث تطهير وتفريغ للدولة من كل موظفي الخدمة العامة والعسكرية الذين تشتم منهم رائحة التوجه السياسي المخالف لطرح المشروع الحضاري الذي يعني تحقيق الدولة الإسلامية.

وفي الحقيقة فإن «إقامة الدولة الإسلامية» ظلت حلماً غالياً طالما راود مآقي الإسلاميين، وحفزهم على المجاهدة والتضحية طوال عقود منذ جبهة الميثاق، ولا يبدو أن أحداً قد تساءل، سواء في مستويات التنظيم المختلفة، أو حتى بينه وبين نفسه، السؤال المشروع «الدولة الإسلامية لماذا؟»، أهمية هذا السؤال تنبع من أن هذه الدولة ليست هدفاً في ذلك، وإنما هي وسيلة لتحقيق الهدف السامي والعظيم في نظر كل مسلم أو إسلامي، ألا وهو جعل كلمة الله هي العليا، سواء داخل المجتمع أو في السوق أو في البرلمان أو معارك الجيش أو في المحاكم الجنائية والمدنية أو وسائل الإعلام والصحافة ومؤسسات التربية والمال والتعليم.. ألخ.

ولكن ما حدث هو أن دولة الإسلاميين هي التي قامت، لا دولة الإسلام، فلقد تورطوا في الإمساك بزمام الحكم وحدهم طوال الوقت، وانشغلوا بقرون الثور الهائج، تاركين وراءهم فضيلة نشر قيم الإسلام ورسالته الخالدة، بذكاء وهدوء وسماحة وإرادة ماضية، وسط المجتمع وفي خاصة أنفسهم أولاً وقبل غيرهم تركوها ظاهرياً لغيرهم، لأنهم خلاص وصلوا!

صحيفة الإنتباهة
محمد عبد القادر سبيل
ع.ش[/SIZE][/JUSTIFY]

Exit mobile version