كتّاحة الخرطوم .. هاكم دي ووراها دي !!

‫‫كتّاحة الخرطوم
هاكم دي ووراها دي !!
ما اشبه الليلة بالبارحة فهذه مادة كتبتها عن خريف الفين وعشرة
نتميز نحن السودانيين باستعمالنا لبعض الحركات (البليغة) لتوضيح الكلام وايصال المعنى، ومن ذلك أن كبارنا تعودوا عند يرغبوا في انزار أحدهم بسوء مآل سيحيق به، يستعملوا في العادة مصطلح لطيف وهو (الترابة في خشمك)، ولكن عندما يكون العاقب المنتظر أكبر من ذلك فقد تضاف إليه حركة ألطف .. بحيث ينحني المتكلم للار
ض ويدفع بـ (كتحة) من التراب مرتين بأصابعه تجاه المخاطب، يصحبها بقول:
هاك دي ووراها دي !!
في آخر زيارة قام بها زوجي لأسرته في الجزيرة حكى لنا عن الامطار الغزيرة التي نزلت منذ الساعات الاولى للصباح في يوم عودته للخرطوم، واستمرت طوال مسيرته في الطريق من مدني وحتى بعد الكاملين بنفس الدرجة حتى أن معالم الطريق اختفت رغم (المنشات)، ثم خفّ المطر تدريجيا حتى تحول لرزاز خفيف مع المسعودية، ولكن كانت المفارقة الطريفة انه اضطر لجر النور الطويل مع اقترابه من الخرطوم لشدة (الكتّاحة)، التي خفضت مستوى الرؤية لما دون (الشوف أبعد من النخرة) .. يبدو أن الجزيرة المروية قد سمعت عن استعداداتنا للخريف، فمدت يدها و(كشحت) ناس الخرطوم بالترابة وهي تقول:
هاكم دي ووراها دي !!
مع ضربة البداية لولايته الجديدة سمعنا أن والينا (الخضر)، قد دعى لتشمير السواعد استعدادا للخريف، وكيف أن الشركات المتعاقدة قد انداحت (حفرا) ووعدا وتمنى ..
انتظرت ان ارى الانجاز على ارض واقع (حلّتنا)، والتي غرقت في الخريف الماضي وتحولت لـ (طمّبجوها) ريفي محلية (فينيسيا عوج الدرب) !!
صرت اترقب حضور عمّال الحفر يوميا، أنا أشعر بـ (أم هلّا هلّا) والقلق، اشفاقا على خطة العمل التي سوف ينتهجوها مع شوارعنا، فـ حلّتنا مثلها مثل كل أحياء الخرطوم، كل صاحب بيت فيها تصرف بمعرفته لحماية مياهه الاقليمية .. هناك من أنشأ السدود وردم الردميات على تخوم حيطة الشارع، وحوّل بيته لقلعة في رأس جبيل الطينة، وهناك من استعان بـ (الصبة) وقام بترس الخرسانة (المسلّحة) حتى تجاوز بها الحدود الدولية لجاره المقابل (ليهو) .. وهناك من قام بردم الجدول الماري من أمام بيته ووقف (ألف أحمر)، رافضا لان يقترب من حماه أيّا من عمال الحفر، بحجة أن المياه تتراكم أمام بيته ولا تصل للمصرف الرئيسي ..(هو ذاتو شن المصرف ؟)، مما يضعه في دائرة الخطر من أن تقتحم عليه المياه عقر داره وتلحقه بغطس ناس البرازيل اليوم داك !!
طال بي الانتظار حتى جاء الفرج عندما خرجت من البيت لبعض شأني فرأيت مجموعة من عمّال الحفر يعملون على جدول في شارع مجاور .. حمدتا الله وشكرت الله وحدثت نفسي بشكرة (الزبير ود رحمة) بعد تحويرها لتلائم الموقف .. (جيتا جيت يا ود الرحمة قبال الخريف شفناك) !! ولكن لم تدم هنائتي طويلا فسرعان ما حمل العمال معاولهم وغادروا الحي .. يبدو أنهم (قنعو من خيرا فيهو) وكل ما أنجزوه كان(خويّر) (ويحيد) امتد (سبعة وتمانية) كثعبان طويل (ملولو) .. فكلما اعترض طريقهم حجر انزاحوا عنه ذات اليمين، وكلما اعترضت سبيلهم شجرة نيمة انزاحوا عنها ذات الشمال وقبل أن يصلوا لتقاطع الشارع، اكتشفوا انهم في حوجة لكبري أو قنطرة فتركوه وغادروا ليبقى الحال على ماهو عليه وعلى المتضرر اللجوء للقضاء ..
سمعنا عن انزار السيد الوالي للشركات المنفّذة ولا حياة لمن تنادي، ثم جاء القرار بالتوقيف والعقوبات وبرضو .. لم يمر على جدولنا الحزين أحد !!
طالعت بصحف الامس خبر عن تفقد عدد من المسؤولين بالوزارة والمحلية وأعضاء المجلس التشريعي الولائي والمحلي، صباح الجمعة لمصارف الأمطار بالمحليات، حيث وقفوا على الجهود التي بذلت في حفر وتطهير ونظافة المصارف وتسويتها .. ووجه وزير التخطيط بالإسراع في عملية فتح المصارف معلناً استعداد وزارته لتسهيل كافة العقبات التي تعترض سير العمل ..
الخبر يبشر بوجود غرف عمليات، مع تفعيل غرفة للطواريء ستعمل خلال الاربع وعشرين ساعة من أجل استقبال شكاوي وبلاغات المواطنين والعمل على إيجاد حلول لها.
يمكن اعتبار ما طرحته هنا بلاغ وشكوى ومعاها (مكوتين) زيادة خير، لكن يبدو لي أن اعتداءات اصحاب البيوت على الشارع في غياب (معول المحلية)، ومحاولة كل منهم حل مشكلته بمعزل من البقية، دون أن يعي أن ذلك التصرف يماثل وجهة نظر شمسون عندما قال (علي وعلى اعدائي يا رب) !! غايتو باقي لي خرطومنا دي معضلة مجاريها ما بتتحل إلا يهدموها ويبنوها من جديد، وإلى أن يتم ذلك يا ناس الخرطوم هاااكم دي ووراها دي !!

منى سلمان
[email]munasalman2@yahoo.com[/email]

Exit mobile version